من أنا؟! تأمُّلات ثائرة

فتاةٌ لم يكتمل شهرها التّاسع بعد، تبكي صارخة مُناديةً طعاماً تقدّمه لها والدتها، فلا تَجِد. وأخاها الذي يركض من بوّابة المدرسة مسرعاً ليحضن والدته ويخبرها بقصصه وحيرته التي يتواجه معها، للأسف يُصدَم عندما لا يراها. هذه الأُمّ القاسية

 تركتهما دون غذاء، تركتهما دون قلبٍ يغذّيهما وصدرٍ يريحهما، تركتهما فقط وذهبتْ.
رَجُلٌ يقف مراقباً أبواب المدارس وأطفالاً يسيرون في الشّوارع، يراقب ويقتنص الفُرَص كي يُغويهم ويُشبع جوعاً مَرَضيّاً يفتك بجسده.
فتاةٌ صغيرةٌ لم تتزيّن بعد بسنينها الأربعة عشر، قرّرت أن تدفن حياتها ومُتعة براءتها لتختبر ما تقدِّمه مُتعة الإعلانات، لينتهي بها الأمر أن تحمل في أحشائها طفلاً صغيراً مع أنّها لا تزال هي الطّفلة.
شبابٌ وشابّاتٌ فقدوا في طفولتهم أعمق احتياجاتهم، فوجدوا أنْفُسهم في أحضان من مثلِهم، ووجدوا الرّفض ممَّن حولهم (المِثليّين).
فتياتٌ يتطاير المال من حقائبهنّ، تستيقظنَ على أصوات أحدث الموبايلات، تقضينَ ساعات يومهنّ وهنّ تتفقّدنَ أفخم المحلاّت، تُنفِقنَ وتُنفَقنَ ليس لاحتياج ولكن لمُجرَّد الإنفاق.
صُوَرٌ وصُوَرٌ لا تنتهي وجميعها لها مصدرٌ واحدٌ وسؤالٌ واحدٌ “من أنا؟”. إنّه السّؤال الذي حيّر الكَون وجعل الموازين تميل وتنحرف. إنّه السّؤال الذي جعل جميع تلك المآسي تنتقل من الرّوايات إلى الواقع.
“من أنا؟”. هل من أحد يجيب سؤالي ويهدِّئ عاصفة الحيرة التي تزعزعني؟!!.

هل أنا حيوان متطوِّر وله عقل؟!.         إذاً من خُلِق بمرضٍ لا يَسمَح لعقله بالتّطوُّر، ليس إنساناً!.
هل أنا جسدٌ وملامح وأعضاء؟!.          إذاً من تشوَّه وفقَدَ أعضاءه، ليس إنساناً!.
هل أنا مهنة أم حرفة أم عمل؟!.         إذاً من لا يعمل ومن لم تعطِه الحياة فرصة التّعلُّم، ليس إنساناً!.
هل أنا أبٌ أو أُمٌّ، أَمْ هو دَورٌ ألبَسهُ؟!.    إذاً من لم يُكرَم بتلك النّعمة، ليس إنساناً!.
هل أنا تاريخٌ رَسم الحاضر والمستقبل؟!.إذاً من فقَدَ ذاكرته ونَسِيَ تاريخه، ليس إنساناً!.

من أنا؟!. عندما أفكّر في الأشياء من حولي أَجِدُ أنّ كلّ شيءٍ ممكن أن ينتهي ويزول. فهل أبقى أنا أم أزول بزواله؟.
وأنا في خِضَمِّ الصِّراع وجدتُ من يُخرجني من دائرتي المُغلَقة هذه، تذكّرتُ أنّ هناك من سأل قبلي سؤالاً مشابهاً.
هناك من سأل خالق الكَون عمّن هو؟، فكان جوابه: “أنا هو الذي أنا”. إنّه لجواب غريب جدّاً.
لحظاتٌ جعلتني أفهم ما بحثتُ عنه سنين. “أنا هو الذي أنا” هذا ما قاله عن نَفْسه. أمّا ما قاله عنّي فهو”أنّني مخلوق على صورته”.
إذاً عندما أبحثُ عن جوابٍ لسؤالٍ حرق العيون وكسر القلوب، سيكون الجواب أنا مخلوقٌ على صورته لذلك “أنا هو أنا” فقط.
أنا موجود لأنّني موجود. من خلقني أوجدني ولا شيء آخَر أوجد فيّ الوجود ولا شيء يسلب منّي ذاك الوجود لأنّني موجود، فحتّى لو حاولتُ الهروب وأوهمتُ النّاس أنّني انتهيتُ سأبقى موجوداً.
وجودي أستمدُّه من وجوده وكلّ ما فيّ أستمدُّه منه هو، فأنا جميل لأنّه هو جميل، وهو الذي يضع المعايير والقِيَم لذلك مهما كان شكلي ولوني فأنا جميل.
أنا مُبدِع لأنّه هو مُبدِع ولستُ بحاجةٍ لبراءةِ اختراع كي أصبح مبدعاً لأنّني في الحقيقة مُبدِع. أنا سعيدٌ وراضٍ بكلّ ما وضعه فيّ، ولكن يا صديقي أجمل ما وضعه فيّ وأجمل ما ميّزني به أنّني “مخلوقٌ محدود”. إنّها أبدع الصّفات التي وضعها فيّ، فمحدوديّتي تجعلني أشعر بالأمان لأنّه هو من يحتويني. محدوديّتي تجعلني أقفز فوق ما يدعونه الفشل لأنّني مُدرِك أنّني محدود. محدوديّتي تجعلني أنظر إلى الوراء وإلى الأمام ولا أتخطّى نهاية الطّريق. محدوديّتي تجعلني أعيش مع من حولي لأنّني محدود وبحاجة للمحدود الذي مثلي وإلى اللامحدود الذي خلقني.
لذلك، “أنا هو أنا” وعندما أنسى من أنا سأكون قد نسيته هو.
قال النّبي داود في المزمور 139: 2 – 6 .

صديقي عندما تتُوه في هذه البرّيّة وتَفقِد نَفْسك بين رمال الحياة، إذهب إليه لأنّه هو هو ولن يتغيّر، وعندئذٍ ستعرف وستَجد “الأنا” التي تبحث عنها.

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا 

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!