لماذا لا يستجيب الله لصلاتنا؟!

تتّفق الأديان السّماويّة كلّها في وحدة وانسجام رائعَين، على كَون الله يُحبّ الإنسان تاج خليقته ويريد الخير والصّلاح لهذا الإنسان.
وتتّفق الأديان أيضاً على أنّ الله يريد الإنسان

أن يحيا مُطيعاً وأميناً له، وأنّ السّبيل لبلوغ ذلك هو أن يُوطّد الإنسان علاقته بالله بطاعة وصاياه.
وتُمثّل الصّلاة أحد أوضح الصُّوَر التي بها يسعد الإنسان ويكون بمقدوره أن يعرف الله بحقّ.
لكن بعض البشر يتساءلون، لماذا نُصلّي أحياناً ولا يستجيب الله لصلواتنا؟ وهل حقّاً باب السّماء مفتوح لكُلّ من يُصلّي؟
إن كانت مثل هذه التّساؤلات قد دارت في ذهنك يوماً، أو إن كان يهمّك أن تقرأ دراسة جادّة ووافية عن مثل هذا الموضوع الهام، فنرجو أن تتابع القراءة معنا ……

 ما هي الصّلاة؟
إنّ الصّلاة هي الصِّلة التي تربط بين الإنسان وربّه بعلاقة شديدة الخصوصيّة، إذ لا طرف ثالث بينهما فيها. بها يرتفع قلب الإنسان ولسانه بالحمد والتّسبيح نحو الله. وهي تعبير القلب الخاشع الذي يرتفع نحو الخالق العظيم المُهَيمن على الأرض بكُلّ ما فيها، حينما تُقابله مُشكلة أو حاجة يحتاج تجاهها عوناً ومُساعدة، وهكذا. فهي شركة حيّة حُبِيّة وعلاقة وثيقة رائعة. فهل أنت تتمتّع بمثل هذه العلاقة الرّائعة التي لا يُعبَّر عنها مع إلهك العظيم؟

• حقيقة لا تقبل الجدل ….
ممّا لا شكّ فيه ـ صديقي ـ أنّ الله القدير يودّ دوماً أن يستجيب لطلباتنا، والأكثر من ذلك أنّه يُحبّ أن يسمع لأصواتنا، بل وأن يسمع أنّات قلوبنا التي نرفعها نحوه في صلواتنا وفي إجابته للطّلبات التي نطلبها منه، لأنّه يُحبُّنا.
قال الرّب يسوع المسيح في تعاليمه الرّائعة للجموع في الموعظة على الجبل (في معرض وصفه لحالة الأب الأرضي والآب السّماوي عند إجابته لطلب ابنه) والمذكورة في إنجيل متّى 7: 7 – 11 .

• ما هي المُشكلة إذاً؟
 الحقيقة هي أنّ هناك بعض الأسباب أو لِنقُل المُلابَسات التي تجعل الله في مرّات يبدو وكأنّه لا يستجيب لنا. أو يبدو الأمر ـ في مرّات أُخرى ـ وكأنّه يرفض أن يردّ على سؤالنا له بشأن أمر ما، فنظلّ نصرخ ونُعاني وتبدو السّماء فوقنا وكأنّها خالية أو خاوية، رغم أنّ السّيِّد العظيم ساكنها ومالئها كما أنّه هو أيضاً السّميع العليم الذي لا يتأخّر عن إجابة عبد استغاث به!.

• إذاً، فالله لا يُجيبنا في كُلّ الأحوال!!
هذا هو ما قد يبدو لنا كما قُلنا سابقاً، لكنّ الصّواب هو أنّ الله لديه دوماً إحدى إجابات ثلاث (أو لِنقُل استجابات) يجيب دوماً بها على صلواتنا، فالله لا يصمت أبداً عن إجابتنا إن كُنّا نعرفه بحقّ. نعم، فهو دوماً يُجيب، وهذه الاستجابات الثّلاث هي:
أ. أحياناً يجيب الله على طلباتنا ب “نعم”:
وهذا هو عَين ما يتمنّاه الإنسان أن يسمع الله لصلاته ويُلبّي طلبه، أي أن يعمل ـ الله ـ مثلما طلب الإنسان.
ب. أحياناً يُجيب الله على الطّلبات ب” لا”!:
وهل يكون الله هنا قد استجاب؟!. الجواب نعم، مع أنّ البعض يظنّ خطأً أنّ هذه ليست استجابة، لكنّها كذلك (أي استجابة). لأنّ الله كأب صالح لنا يعرف أنْ ليس كلّ ما نطلبه يكون دائماً صواباً أو يعود علينا بالنّفع، لذا فقد تكون إجابته على طلبتنا بالرّفض لسبب هو يعلمه في حكمته. وسنستعرض بالتّفصيل لاحقاً بعض الأسباب التي تجعل الله يجيب طلباتنا بالرّفض.
ج. الاحتمال الثّالث أن يجيب الله طلباتنا ب “انتظر، ليس الآن”:
أحياناً يُجيب الله على طلباتنا بالصّمت! نعم بالصّمت!. وهل يُعتَبر صمت الله ردّاً أو استجابة منه لنا؟ نعم، فالإنسان الذي تدرّب كيف يُحبّ الله ويثق فيه ويتّكل عليه، يعرف جيّداً معنى صمت الله وانتظاره. وهو أمر ليس بالأمر السّهل على الإطلاق، لكن إن تعلّمناه نجد فيه فائدة عظيمة. إنّ ساعة الله لا تُؤخِّر أبداً لكنّنا نحن كثيراً ما نستعجل أمراً فنُفسده، كالثّمرة المقطوفة قبل نُضجها فلا ننتفع منها شيئاً. إذاً ليتنا نتعلّم صديقي كيف ننتظر إنْ صمَتَ الله تجاه طلبةٍ طلبناها، فنتدرّب على الثّقة والإيمان والاتّكال عليه وانتظاره. 
 نعم، فهذه هي الاستجابات الثّلاث التي يُمكن أن يردّ الله بها على صلواتنا. وعلى كلّ واحد منّا أن يفحص أيّة حالة من هذه الثلاث يكون الله قد أجاب بها على طلبته. وربّما لم نفهم وقتها طريقة الله في الرّدّ على صلاتنا (لا سيّما بالطّبع الطّريقَتين الأخيرتَين اللّتَين قد يعتبرهما البعض عدم استجابة).


والآن، سأستعرض معك بإيجاز بعض هذه الأسباب التي تجعل الله لا يُجيب بالإيجاب على صلواتنا، ومن هذه الأمور ما يلي:

1) لأنّنا لا نعرف الله بحقّ!!: 
إنّ علاقتنا بالله مقطوعة بسبب طبيعة الخطيّة المُتأصّلة فينا ـ تلك التي ورثناها من خطيّة آدم وحوّاء الأصليّة ـ فعَن الخُطاة وصلواتهم غير المقبولة أمام الرّبّ يقول الله بحسب النّبي إشعياء 1: 15 . لكنّه أيضاً يُقدّم الحلّ وهو التّوبة العمليّة، فيقول في إشعياء 1: 16 . لذا فإنّ الله لا يسمع لصلاتنا حتّى نعود لله طالِبين عَفوه ورحمته وغفرانه، حينئذٍ يُحيينا الله من جديد وتبدأ العلاقة الحيّة والحقيقيّة معه، تلك التي تُؤهّلنا أن نُصلّي فيسمعنا. وأنا وأنت وكلّ البشر نظلّ مُنفصلين عن الله حتّى نأتي بتوبة ورجوع حقيقيَّين أمامه، فهل تُرانا نفعل؟!. 
2) لا يسمع الله لنا أحياناً لأنّنا نطلب ما ليس لمصلحتنا أو ربّما ما قد نُضِرّ به أنْفُسنا:
 أسوق في ذلك مثلاً قد يبدو ساذجاً، لكنّه مرّات يكون مُطابِقاً للحقيقة!. إنّ الله  يتصرّف معنا أحياناً كمِثل تصرُّف الأب الذي لا يستجيب لطلب طفله، إن هو طلب منه أن يلعب بأعواد الثِّقاب (الكبريت). لا يجيب الله لطلبتنا إن رأى هو في حكمته أنّها يمكن أن تُمثِّل ـ بشكل أو بآخَر ـ مصدر خطرٍ أو ضررٍ لنا. وحتّى لو لم نُدرك ذلك وقتها، فإنّ هذه تكون هي الحقيقة!.
3) لا يسمع الله لنا أحياناً لأنّنا نطلب أمراً رديّاً لنُشبع به شهواتنا أو رغبات خاطئة عندنا. 
وهذا ما يقوله الرّسول يعقوب صريحاً في رسالة يعقوب 4: 3 . (مِثل الذي يطلب من الله مالاً ليغتني من باب حرام!. أو يطلب أن يتعرّف على فتاة، ليعمل معها الشّرّ!!). 
4) لا يسمع الله لنا أحياناً لأنّنا نطلب أمراً ليس وفقاً لمشيئته الصّالحة لحياتنا:
لا يسمع الله لنا أحياناً لأنّنا نطلب أمراً يضرّ الآخَرين. كأن ندعو الله بأن يسمح بوقوع شرّ في حياة آخَرين، قد يكونوا قد آذونا أو ظلمونا أو اغتصبوا حقّنا أو أساؤوا إلينا بأيّة صورة من الصُّوَر، ونحن لا نُحاول أن نغفر لهم ولا أن نترك الله ليتصرّف هو، إنّما نحثّه على إيذاء الآخَرين والانتقام منهم بحسب رغبتنا أو لمصلحتنا! فهل يُمكن لله أن يستجيب لطلبة كهذه؟!.
كذلك لا يسمع الله لنا لمعرفته الرّائعة بنا وبظروفنا وأحوالنا وحاجاتنا (مثل الأب أيضاً الذي لا يقبل خطيباً لابنته لأنّه يعرف عنه أمراً ما يجعله لا يوافق أو يطمئنّ على مستقبل ابنته معه. أو كاللّص الذي يدعو الله ألّا ينكشف أمره أثناء ارتكابه للسّرقة!!).
5) لا يسمع الله لنا أحياناً لأنّنا غير مُخلِصين ـ أصلاً ـ في علاقتنا الشّخصيّة معه:
 أقصد أنّنا أحياناً نكون كأنّنا نريد أن نستغلّ الله (أعتذر عن عبارتي هذه لأنّها قاسية، فالله تعالى مُتعالٍ وهو مُنزّه عن أيّ استغلال، لكن بكلّ أسف بعض البشر المخدوعين الأنانيّين يتعاملون مع الله بهذا المنطق، وهو تعالى في محبّته لا يُعاملنا بالمِثل بل برحمته الواسعة لأنّه تعالى الغفور الرّحيم) ليُلبّي لنا حاجاتنا ويكون مصدراً لتسديد احتياجاتنا. بمعنى أنّنا لا نحبّ الله بحقّ ولا نكون في علاقة مُستمرّة معه، لكنّنا نعرفه وندعوه ونلجأ إليه وقت حاجتنا فقط. فعندما نتعرّض للأزمات والضّيقات والتّجارب نلتفت إلى الله ونتضرّع إليه ونصوم ونصلّي، وحين يستجيب لنا الله ويرحمنا ويرفعنا ويسدّد احتياجنا، نعود لسابق عهدنا فنبتعد عنه وتفتر علاقتنا به وربّما ننساه وننقطع عنه. وممّا لا شكّ فيه أننّا إنّما نخدع أنْفُسنا لا الله. وعلينا ألّا ننسى أنّ الله مع أنّه طويل الرّوح وكثير الرّحمة وحنّان، فإنّه أيضاً صاحب السّلطان والجبروت وقد يَحمى غضبه على شعبه المتمرِّد  ويُؤدِّب بَنِيه.
6) لا يسمع الله لنا أحياناً لعدم إيماننا ولضعف ثقتنا أنّه سيستجيب لنا:
كلمة الله المُقدّسة تُشجّعنا أن نؤمن في محبّة الله وفي صلاحه وفي صدق وعوده الأمينة. فإن كان هو قد وعد أنّه يسمع الصّلاة، فإّنه يكون لزاماً علينا أن نُصدّق ذلك وننتظره، لأنّنا بدون إيمان لن يكون بمقدورنا أن نُصدّق الله ولا أن نختبر استجابته لصلواتنا!.  والخلاصة هي أنّ الله بالحقيقة يطلب منّا علاقة شخصيّة معه، وهو يسمع لصلاتنا إن كنّا نحن نحبّه ونُطيعه ونبتغي مرضاته.

عزيزي القارىء،
إنّني أدعو الله القدير أن تكون كلماتي قد أفادتك. وأرحّب بأسئلتك واستفساراتك التي تُمتِّعني حقّاً، والله معك.

موضوعات مشابهة:

1- ما هي الصّلاة عند المسيحيّين وكيف يصلّون وهل هناك شروط خاصّة بها؟

2- الصّلاة الشّفاعيّة.

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا 

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!