كيف أكون مبدعاً في علاقاتي؟

يقول مثل سويدي “مشاركة الأفراح تُضاعِفها، بينما مشاركة الأحزان تُخفِضها إلى النِّصف”.

 وهذا معناه أنّنا نجني الكثير من الفوائد نتيجة علاقاتنا بالآخرين، أي عندما نقضي أوقات شركة مع المحيطين بنا. فسواء كانت ظروفنا تعيسة فالشّركة تخفّف عنّا، أو عندما نكون سعداء فالشّركة تزيد من سرورنا، بمعنى أنّنا ننتفع من العلاقات في كلّ الأحوال.

 ولكن هل هذا هو الحال في الواقع الذي نحياه؟ فكم نسمع عن قضايا طلاق، ومحاكم بين الإخوة والأصدقاء والأقرباء، وحتّى تصل المشاكل إلى درجة القتل والإجرام. فأين نحن من التّمتُّع بعلاقاتنا؟ ولماذا يختفي الودّ من حياتنا، وتهرب تعابير المحبّة من مفرداتنا؟ لماذا ينتفي الشّوق من زياراتنا ويدخل الرّوتين القاتل إلى مُجاملاتنا؟ لماذا كثرة الطّلاق والتّشرُّد؟. 

 سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال ما سنورده في مقالنا عن كيفيّة بناء العلاقات. وبدايةً يجب أن نعلم أنّ لتكوين العلاقات أي إخراجها إلى حيّز الوجود ثمّ العمل على استمراريّتها، لا بدّ من  التّجديد والتّطوير ولا بدّ من الإبداع والابتكار، حتّى لا تتحوّل هذه العلاقات إلى صناديق تشبه الأكفان!!.

 فما معنى الإبداع؟ وهل هو مقصور على قِلَّة من البشر؟ أم هو مُتيسِّر للجميع؟ هل يمكنني استخدام استراتيجيّات الإبداع لأكون مبدعاً، كأن أرى ما لا يراه الآخرون وهو تنظيم الأفكار وظهورها في بناء جديد انطلاقاً من عناصر موجودة؟.

  تعريف الإبداع:

الإبداع هو القدرة على حلّ المشكلات بطريقة تُعجِّب السّامع والمُشاهِد، والسّعي لإيجاد أفكارٍ وطُرُقٍ غاية في الجِدَّة والتّفرُّد، بحيث تتشكّل إضافة حقيقيّة إلى النِّتاج الإنساني. ولايرتبط الإبداع بالمستوى التّعليمي، حيث يقول أحد المفكّرين المعاصِرين: “أَفسِح رُكناً في عقلك للإبداع وستجده يمتلىء به”. وكما يقول آخر: “يُعَدُّ الإبداع سرّاً من أسرار التّفوُّق في ميادين الحياة، ويعطي لصاحبه القدرة على اكتشاف سُبُل مُبتَكرة لتغيير العالم الذي يحيط بنا، والخلاص من الملل والتّكرار. ولذلك تتطلّب عمليّة الإبداع إحساساً بالجمال ورنيناً عاطفيّاً وموهبةً في القدرة على التّعبير”.

ما هي صفات المُبدِع؟ 

 * هو الشّخص الذي لا يخاف الفشل، مثل “أديسون” الذي كرّر آلاف المرّات محاولات فاشلة إلى أن توصّل لاختراع المصباح الكهربائي.

  * المُبدِع لا يُطبِّق القوانين واللوائح تطبيقاً حرفيّاً، بل يكون مَرِناً ويُطوِّع الأمور لصالحه. 

  * سريع الإحساس بالمشاكل، واثق من نفسه ولديه إرادة قوية وهدف واضح.

 * يتجاهل تعليقات الآخرين السّلبيّة ويسعى للوصول إلى عدّة حلول بديلة للمشكلة.


كيف أُكوِّن علاقاتي:

 العلاقات المفروضة عليّ والتي لم أختَرها مثل علاقتي بأبي وأُمّي، أخي وأختي وأقربائي، ينبغي أن أكون قد اجتزت مراحلاً في التّعامل معها، ويجب أكون شاكراً إن تمتّعت بطفولة ومراهقة جيّدتَين. ولكن تركيز حديثنا هو على الأشخاص الذين أختار علاقتي بهم، أي أصدقائي وشريك حياتي. وسنخفّف الكثير من المشاكل عند اتّباعنا بعض النّصائح الرّائعة، منها:

  1- ألاّ نتسرّع في تسمية العلاقة صداقة أو حُبّ، بينما نحن في مرحلة التّعارُف.

  2- نكون صادقين، لأنّ الكذب يدمّر أجمل الذّكريات واللحظات. فالصّراحة أقصر طريق إلى القلب.

 3- لا نتوقّع أن يعطينا أصدقاؤنا تقريراً عن تحرّكاتهم فنحن لسنا رُقَباء عليهم.

  4-الاقتراب لا يعني الامتلاك، والبُعد لايعني الجَفاء.

  5- لا نتوقّع أن يكون أصدقاؤنا متفرّغين لنا، بمعنى أن نجدهم حاضرين فوراً إن كُنّا في أزمة. فالحياة حياة محمومة بالأنشطة والالتزامات والواجبات بالنّسبة للكلّ.

  6-لا ننغلق لدرجة أنْ نحمّلهم مسؤوليّاتنا وحساسيّتنا.

  7- لا نُكثِر من العِتاب لكي لا نضع أصدقاءنا في موقف الدّفاع. وكذا لا نزيد من الشّكوى حتّى لا نُثقِل كاهل أحبّاءنا بالهموم معنا ولأجلنا.

  8- لا نقتصر في صداقتنا على شخص واحد، ولنَحذَر القطب الواحد. لا بل يكون لنا أكثر من صديق فذاك حنون وتلك حكيمة.

 كيف أكون مبدعاً في علاقاتي بعد أن شكّلتُ هذه العلاقات؟

  علينا أن نُنمّي صفات الإبداع داخلنا، وذلك بالمشي في الطّبيعة لنسترخي فتنطلق عواطفنا وأحاسيسنا، أيضاً بقراءة كتب عن الإبداع والمُبدِعين، وأن نرافق أشخاصاً مبدعين لنصقل إبداعنا، كما ندخل في علاقة تُضفي على علاقاتنا صفة الإبداع. ومثلما قال أحد المفكّرين: “أهمّ ما نشارك به في علاقاتنا ليس ما نقوله ونفعله بل حقيقة شخصيّتنا، فجوهري وكياني هو ما أدخل به في أيّة علاقة”. إليك بعض الخطوات:

 1- عندما أتعب وأُثقِّف نفسي فأنا أعمل لتنمو علاقاتي وتزدهر، ويكون لديّ رصيد ومخزون ثقافي أتعامل به مع المحيطين بي، وبذلك أستطيع المبادرة في فتح أحاديث وحوارات متنوِّعة. مثلما قال الرّسّام الهولندي “فان كوخ”: “أضع نفسي وعواطفي في العمل وأخسر عقلي أثناء التّنفيذ”. وهنا يأتي الإبداع، أي بقَدر سَهري على شخصيّتي أكون مبدعاً في علاقاتي.

  2-أُحب نفسي والآخرين والله المُبدِع. أبحث عن الأشخاص المُبدعين وأُصادقهم.

   3- أقرأ كتباً تحثّني على الإبداع وليس على التّقليد.

  4- توجيه المشاعر نحو الأفكار الجميلة، وتبسيط الحياة وعدم الانشغال لدرجة الإرهاق. بل التّمتُّع قدر الإمكان والضّحك. قال الكاتب “روربت برالت” وهو يكتب لفترة تزيد عن أربعين سنة للمجلاّت: “أيّة علاقة نُقيمها مهما كانت درجة اشتعالها، عند ندرة المناسبات التي نُعبِّر فيها عن محبِّتنا لمن نُقيم معهم هذه العلاقة فإنّها تتحوّل إلى جليد”. فلنُعبِّر عن محبّتنا لبعضنا البعض مثلما قال آخر: “عبّر لأحبّائك عن ميّزاتهم ومحبّتك لهم لأنّك لا تستطيع فِعل ذلك في الكَفَن”. فلنفتدي الوقت لأنّ الأيّام شرّيرة كما يعلّمنا الكتاب المقدّس في رسالة بولس الرّسول إلى أهل أفسس 5: 16 .

لعلك قارئي العزيز تقول:

 إنّي أحتاج للإبداع في علاقاتي لأكسر الملل وأتخلّص من الرّوتين، لذلك عليك أن تعرف:

   1- لتكون مبدعاً في علاقاتك عليك أن تسير عكس النّاس. بمعنى أنّك تجد النّاس يقولون: يجب أن يحترمني الآخرين أوّلاً، ليتني أجد مَن يفهمني ويصغي إليّ. أمّا أنت فعليك أن تتّخذ المقولة الذّهبيّة منهجاً لعلاقاتك والموجودة في الكتاب المقدّس في إنجيل لوقا 6: 31 .
ما قاله الرّب يسوع إنّك إن كنت تريد التّقدير والانتباه من الآخرين، لماذا لا تبدأ أنت بتقدير الآخرين وإعطاء الانتباه لهم. كُن أنت المبادِر وكُن مُبدعاً وخلاّقاً مثل خالقك الذي خلقك على صورته ومثاله. ومَن أراد أن يكون أوّلاً فيكون آخر الكلّ وخادماً للكُلّ، لا تنتظر أن يخدمك الآخرون بل ابتكر في خدمة الآخرين، وتقرَّب من الله المُحبّ وستجد محبّتك تفيض للآخرين.

 2- إغفر واغفر وثمّ اغفر، لأنّنا كبشر ضعفاء ونخطىء باستمرار.

 3- ثِق بالآخرين، لأنّ الثّقة هي الصّمغ الذي يُثبّت أيّة علاقة، وهي نادرة هذه الأيّام.

4- أَسرِع بالإحساس بالمشكلة وحوِّلها إلى تحدٍّ.

  5- افتخر بالآخرين لأنّ ذلك يشجّعهم. مثلما قال “جوش مكدويل” القائد والكاتب الشّهير.

 6- إقرأ وأَكثِر من القراءة والتّأمُّل في الطّبيعة وفي النّاس، لأنّ هذا يُثري شخصيّتك وطُرُق تعبيرك عن نفسك وبالتّالي تواصلك مع الآخرين.

 7- كُن خلاّقاً في حلّ الخصام، أي استخدم الكلمات الصّادقة والاعتذارات الأمينة.

8- أصغِ إلى نبضات قلبك وصوت ضميرك، لأنّنا خُلِقنا مُبدِعين ولكن طُرُق تربيتنا تَميل إلى نزع هذا الإبداع منّا، فلنحارب لئلاّ نفقده.


  قالت النّجمة الإيطاليّة “صوفيا لورين”: “الإبداع هو نبع متدفِّق لنستمرّ في شباب دائم ونتغلّب بواسطته على تقدُّم السّنّ”. النّجمة التي كان جمالها يتدفّق حتّى في سنّ السّبعين، وهي أوّل نجمة تحوز جائزة أوسكار وليست اللغة الإنكليزية هي لغتها الأُمّ. لعلّ تلك الصّفات الرّائعة التي ذكرناه عن الشّخص المُبدع تنغرس وتنمو في كلٍّ منّا، لتُنتج علاقات أكثر نُضجاً ومتانةً. ولعلّنا نعمل بجهد لنُنمّي الإبداع لدينا ونطوّره حتّى تكون حياتنا في تجدّد مستمرّ.

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!