خدمة الرُّعاة

إنجيل يوحنّا 15: 4 – 8 .

لم تكُن هذه هي المرّة الأولى التي يؤكّد فيها يسوع على ضرورة الثّبات فيه، لأنّنا بدونه لا نستطيع أن نحيا حياة مثمرة، فالمسيح هو المثال الذي يجب أن يُحتذى به في كلّ شيء وخاصّة إن كنّا مسؤولين عن رعيّته، لذلك فإنّنا عندما نتعرّض لموضوع الرّاعي والرّعاية في الكنيسة، فإنّنا نقترب من موضوع في غاية الأهميّة والحساسيّة في الآن ذاته. المكتبة المسيحيّة تزخر بالكتب التي تناولت موضوع الرّاعي والرّعاية في الكنيسة بدءاً بالكنيسة الأولى إلى اليوم. وعندما نتصفّح هذه الكتب، نلاحظ أنّ صورة الرّاعي كانت دائماً ولا تزال منبعها الأساسي الرّبّ يسوع، الذي جسّد خلال سنوات خدمته على الأرض المعنى والمثال المُشبَع بالمحبّة والرّحمة للرّاعي الذي يجب الاحتذاء به في الخدمة.

يذكُر الرّسول بولس في رسائله وتحديداً إلى تيموثاوس الصّفات التي تؤهّل المؤمن ليكون راعياً. فالرّاعي يجب أن يكون بلا لوم من قِبَل النّاس المحيطين به وفي المجتمع، أيْ بعيداً عن الشُّبهات (رسالة تيموثاوس الأولى 3: 2 ، ورسالة تيطس 1: 6 ).

 أن يكون صاحٍ، أي ليس من المدمنين على شرب الخمر (رسالة تيموثاوس الأولى 3: 2 – 8 ). محتشم ، حليم كما سيّده تماماً، يدفعه هذا الإحساس لمساعدة الآخرين (رسالة تيطس 3: 3 ). كما يجب أن يكون عاقلاً أو مُتعقِّلاً، أي مالكاً لكامل مداركه العقليّة. ينضمّ إلى كلّ هذه الصّفات، التّواضع، ممّا يسمح له بأن يكون أكثر تقبّلاً لإرشاد الرّوح القدس له وإحساساً لحاجات الرّعيّة (سِفر أعمال الرّسُل 20: 18 – 19 ). كما يجب أن يكون أيضاً مُحبّاً للخير (رسالة تيموثاوس الأولى 3: 8 )،
لأنّ الرّاعي من دوره أن يصنع السّلام في كلّ مكان يحلّ به. أن يكون بارّاً، وَرِعاً، ضابطاً لنفسه، وقدوة في كلّ شيء (رسالة بطرس الأولى 5: 3 )، وذلك بسبب وجوده في موقع متقدّم بالنّسبة للرّعيّة. إذاً هذه هي الصّفات وهي لا تكتمل إلاّ بتوفّر المؤهّلات اللازمة لتكتمل بذلك صورة الرّاعي بحسب الكتاب.

أمّا بالنّسبة لمؤهّلاته الشّخصيّة فهي تتركّز أساساً على محبّته للمسيح (إنجيل يوحنّا 21: 15 – 17 )، إذ يجب أن يكون المسيح رقم واحد في حياته، وليس هناك أيّ شيء في الحياة يمكن أن يفصله عن محبّة المسيح (رسالة رومية 8: 35 ). وتتوَّج هذه المحبّة الحقيقيّة من خلال دعوة الرّبّ للشّخص لكي يرعى شعبه (سِفر أعمال الرّسُل 20: 24 – 28 )، إذ لا يمكن أن يَفرِض شخص ما نفسه على الرّعيّة إن لم يكُن مختاراً من الرّبّ لهذه المهمّة. ويدعم ذلك من خلال تعيين الرّوح القدس له بواسطة مباركة المؤمنين له، إضافة إلى أنّ هذا الشّخص يجب ألاّ يكون حديث الإيمان (رسالة تيموثاوس الأولى 3: 6 )، بل مختبر الرّبّ في حياته وثابت في تكريسه، لا يزعزعه أو يهزّه أمر لئلاّ ينتفخ. فكثير من الرّعاة فشلوا في خدمتهم بسبب اعتمادهم على ذواتهم وإلغائهم لدور الرّوح القدس.

تحتوي صفات الرّاعي على جزء كبير من الواجبات التي عليه التّقيّد بها في خدمته لكي يعكس صورة سيّده، حيث يذكر الرّسول بولس في رسالته إلى تيموثاوس: “مَا أَصْدَقَ الْقَوْلَ إِنَّ مَنْ يَرْغَبُ فِي الرِّعَايَةِ فَإِنَّمَا يَتُوقُ إِلَى عَمَلٍ صَالِحٍ”. وبالتّالي فإنّ الرّاعي يجب عليه أن يَعي جيّداً الدّور المُناط إليه، وأن يكون بحجم المسؤوليّة التي بين يديه، فهو مدعو من الرّبّ لأنْ يرعى خرافه (إنجيل يوحنّا 21: 17 ). فعليْهِ إذاً أن يرعى خراف الرّبّ بكلّ أمانة، ممّا يتطلّب منه التزاماً بكلمة الرّبّ في حياته الرّوحيّة والاجتماعيّة، وبأن يحيا حياة تشهد عن نعمة المسيح فيها. كما يتطلّب من الرّاعي أيضاً الاستعداد الدّائم الذّهني والجسدي لجميع المناسبات، فحياة الرّعيّة هي حياة ناشطة وبقدر نشاطها تكثر المشاغل والمسؤوليّات، فيتطلّب هذا الأمر من الرّاعي الكثير من المجهود والتّنظيم لحياته لكي يحافظ على التّوازن في حياته.

لا أحد يستطيع أن يُنكر أنّ للرّاعي دوراً هامّاً في حياة الكنيسة، وأنّ الكنيسة تتوقّع أحياناً من الرّاعي أكثر ممّا يتوقّع هو من نفسه، ليس لأنانية في المؤمنين وإنّما لكونه هو قائدهم الذي يرعاهم ويقودهم بإرشاد من الرّوح القدس.

فالكنيسة التي هي جماعة المؤمنين تحتاج إلى الرّاعي لكي يساعدها على أن تفهم وتحيا الكلمة، فدَور الرّاعي التّعليمي هامّ لدرجة أنّ الرّعيّة تتبنّى كلّ ما يعلّمهم إيّاه، وخاصّة إذا طابق ما كان يحياه مع تعليمه، ولكن للأسف، فإنّ أغلب المؤمنين يرون في الرّاعي المصدر الأوّل لمبادئهم الحياتيّة، وقد نتج ذلك أحياناً عن جهلهم وأحياناً أُخرى عن الدّور التّسلّطي للرّاعي، وإنمّا الخادم الأمين هو الذي يعكس إشعاع سيّده على الذين حوله مُعطياً المجد دائما لربّه ومعلّمه يسوع.

إنّ هذا الرّاعي لكي يكون نافعاً وفاعلاً في حياة الرّعيّة، يحتاج أن يثبت في المسيح الذي يغذّيه ويجعله مثمراً، تماماً كما تغذّي الشّجرة أغصانها الثّابتين فيها. يتمّ هذا الثّبات من خلال المثابرة على الصّلاة ودراسة الكلمة التي منها يستمدّ قوّته ليواصل خدمته. فلا يقتصر دوره على محبّته لكلام الرّبّ وإنّما يجب أن يطيعها وأن يجعل الكلمة تثبت في داخله. إنّ الرّاعي النّاجح هو الذي يقضي وقتاً كبيراً في حضور الرّبّ، الذي بدوره يجدّد قوّته ويمنحه المسحة التي يحتاجها لإيصال كلمة الرّبّ إلى الشّعب.

إذاً، خدمة الرّاعي تتجاوز فعليّاً الوعظ والتّعليم، لتلمَس جميع جوانب حياة الرّعيّة. فمن خلال التّعليم المدروس الذي يقدّمه، نجدُهُ يربط الجسر بين حياة الكنيسة الأولى وبين واقعهم اليوم، من خلال تفسير وتحليل كلّ المبادئ الكتابيّة ومحاولة ترجمتها إلى لغة الواقع الذي تحيا فيه الرّعيّة، لكي يساعدهم على أن يعيشوا حياة منتصرة كما يتوقّع منها الرّبّ، وتشعّ بذلك على محيطها وتعكس من خلاله نور المسيح الذي يضيء في الظّلمة ويرسم الطّريق أمام التّائهين.

إنّ الرّاعي الحقيقي هو الذي ينقل حياة المسيح إلى الآخرين -وكأنّها رائحة غنيّة تملأ غرفة صغيرة- وبذلك يتمجّد الآب. إنّ المؤمن بصفة عامّة والرّاعي بصفة خاصّة يؤثّر بشكل كبير على الذين من حوله، ليس بالقول فقط وإنمّا بالفعل. 

إنّ الرّاعي الذي يعطي أهميّة للخدمة الاجتماعيّة في تعليمه من خلال حثّه وتشجيعه للكنيسة على السّير في هذا الدّرب، يجعل من المسيح محطّ أنظار العالم الخارجي، ويجعل المحيطين بهم يتوقّفون لكي يفكّروا في الاختلاف الذي أحدثه تلاميذ المسيح في مجتمعهم، وتكون بذلك عبارة عن النّواة أو البذرة التي يلقونها في الأرض الطّيّبة التي من الأكيد أنّها ستُنِبت زرعاً مثمراً.

بقلم/ رياض جاءبالله

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!