خبيث أَم نزيه؟!

النّزاهة هي سرّ الحكمة وعنوان العمل. هي الأخلاق الفاضلة التي تنهض بالأمم وتبعث في الشّعوب الحياة. هي مرآة النّفوس العالية

ودليل القلوب الواعية، ومورد الحياة والفضيلة التي يتميّز بها الطيّب من الخبيث. وإذا ما اختير للإدارة رجل نزيه أمين، ذو حنكة وكفاءة يضع الأشياء في مواضعها ويَزِن الأمور في موازينها، ربحتْ الأُمّة وفاز الشّعب. أما إذا أسيء الاختيار ففي ذلك الويل والبلاء. فلا جُرم إذن من القول أنّ الإدارة فيها الحياة للأُمّة وفيها المَمات أيضاً. والنّزاهة في الإدارة، أو في أيّ عمل أعطاني الله قدرة في جسدي أن أقوم به، هي لطف إلهي ورُقيّ إنساني لا يضاهيه مثل ولا يباريه عمل. والحضارة كلّ الحضارة هي أن يكون الإنسان نزيهاً ومُخلِصاً.
النّزاهة ونُدرتها:
 من المؤسف أن نرى اليوم كثرة عدم النّزاهة في الأداء، والكلام، والتّقييم، وعدم تقبُّل الآخَر وغيره.  ومن المؤسف أن يقع الشّخص في فخّ عدم النّزاهة دون أن يَعي بوجود خطّة مُحكَمة من إبليس، ليجعله ينشغل بذاته ويفخر بها ولا يعجب سوى بنفسه. فكم من موظّف إداري غير نزيه ويعتقد بنفسه الكفاءة وأصالة الرّأي، ينظر إلى سواه من النّاس نظرة ملؤها الاستخفاف والازدراء، فلا يعبأ بهم إلاّ بقدر ضئيل؟. 
عدم النّزاهة وأمثلتها:
أخي القارئ تأمّل معي بعض الأمثلة العمليّة من حياتنا اليوميّة، سأذكر منها: 
• عدم النّزاهة في الكلمة:
 كم من موظّف من الّذين تضطرّهم أعمالهم ومصالحهم، إلى التملّق والاتصال برؤساء الإدارة واكتساب رضاهم. وكم من موظّف من ذوي الضّمائر الخبيثة، الّذين لا يتأخّرون عن التّوسّل بكلّ الوسائل الممكنة لتحقيق منافعهم الشّخصيّة، فيبحثون عن مواضع ضعف الموظّفين الشُّرفاء ويعملون على استغلالها. كلّ هؤلاء ولعدم نزاهتهم يَصِفون مديرهم بالحزم والكياسة تملّقاً وتزييفاً للحقيقة. لكن نراهم لا يتأخّرون عن ذكر عيوبه ونقائصه في مجالسهم الخاصّة.
• عدم النّزاهة في التّعامل مع الوقت:
في واقعنا اليوم تحدث بين الموظّفين أمور يَندى لها الجبين، ويحترق لشأنها قلب كلّ مخلص غيور يريد أن يكون ماله حلالاً وأن يُطعم بَنيه من المال المشروع. إنّنا اليوم نجد الكثير من الأمور التي لم تعُد ضمن قائمة الممنوعات الأخلاقيّة، بل على العكس نعتبرها أحياناً حُسن تصرُّف أو مرونة في التّعامل. نعم، لقد اصطبغنا بصبغة الفلسفة الشّيطانيّة، ووضعنا كلّ خطأ يتمّ عمله تحت مُسمّى آخَر يمكن أن نُقنِع به أنفُسنا والآخَرين. فمن أخطاء الموظّفين واستهتارهم إن جاز التّعبير! التّلاعب الظّاهر والبيِّن والمخجل فيما يخصّ الحضور والانصراف، أو كثرة الاستئذان أو عدم التّواجد في المكان المخصّص للعمل والحضور المتأخِّر لمكان العمل ..! وكأنّ الموظّف ينسى أنّه في حقيقة الأمر مُستأجَر من الجهة التي وظّفته، وأجازت له العمل مقابل ساعات عمل يجب أن يعمل فيها بكلّ جدّ واجتهاد وأمانة. أمّا الرّاتب الذي يتقاضاه كاملاً نهاية الشّهر والذي لا يستحقّ في الحقيقة إلاّ رُبعه أو أقلّ أحياناً، فهو في نظره حلال زلال. ثمّ يشتكي من قلّة البَرَكة وضياع أمواله من حيث لا يشعر.
• عدم النّزاهة في التّعامل مع ممتلكات الشّركة: 
هل أدركت يوماً أنّ أخذك ولو لقلم رصاص من مكان عملك هو في الحقيقة عدم نزاهة.
• عدم النّزاهة في التّعامل مع المسؤوليّات:
هل أنت نزيه فيما يضعه الله على عاتقك من مسؤوليّات مثل رعاية بيتك وأولادك؟.
• عدم النّزاهة في توصيل المعلومة:
هل مرّ بك يوماً وأنت تعطي معلومة لزميل لك في العمل، أنّك لم تعطِها له بالكامل أو تقصّدت عدم وصول هذه المعلومة له بوضوح، فتَبِعت أسلوباً ما جعله غير قادر على الإلمام بما تقول ولم يفهم نظام العمل، فوقع عن غير قصد في أخطاء أمام المدير وظهَر بمظهر الموظّف السّيّء الغير فاهم لعمله. فتقوم أنت بالتّدخُّل في هذا الوقت لإصلاح خطأه في العمل، وتظهر أمام مديرك بصورة الموظّف المُتقِن لأسلوب العمل. هناك الكثير والكثير من الأمثلة البسيطة والعمليّة في حياتنا اليوميّة التي تُظهر حقيقة دواخلنا. فأين يوجد هذا الشّخص الذي يتمتّع بالنّزاهة في تأدية عمله؟ الشّخص الذي يُسمّي الأشياء بأسمائها، فالخطأ عنده ليس له مُسمّى آخَر، بل يعترف به ويعتذر. الشّخص الذي يؤدّي عمله بأمانة والتزام. الشّخص الذي يخاف الله في كلّ كبيرة وصغيرة في عمله. الشّخص الذي يحترم الغَير صغيراً كان أم كبيراً. الشّخص الذي لا يتماشى مع موجات العصر في الثّرثرة والكلام عن الآخَرين.
 دعني أذكر مثالاً عن النّزاهة لعلّه يكون أكثر توضيحاً للمعنى المقصود: كتب “جاكس” في 13 أغسطس 2008 haydar1962.maktoobblog.com: “مرّة من ذات المرّات أراد أحد المديرين أن يختبر قِيَم مرؤوسيه في الحياة ويختبر مدى صدقهم ونزاهتهم في عملهم، فدعاهم من جميع فروع شركته الممتدّة في جميع مدن البلاد إلى اجتماع قصير. وبعد مقدّمة قصيرة أعلن أنّه يوجد في ملفّ برنامج الاجتماع الذي وُزِّع لهم، كيس بلاستيك صغير فيه بذور. وأخبرَهم أنّه لا بدّ أن يضعها كلّ واحد منهم في حوض فيه تربة جيّدة، وأن يتعهّدوها بالرّعاية لتنمو ثم يُحضروها معهم عند عودتهم لحضور اجتماع العام المقبل. وقال إنّ هذه ستكون بمثابة منافسة، وسيتمّ إعلان الفائز في الاجتماع التّالي، وإنّه سيتمّ تقديم جائزة مُعتَبَرة لأفضل نَبتة. فَعلَ كلّ موظّف ما طُلِبَ منه. مرّ العام بسرعة فعادوا إلى الاجتماع. كان هناك العديد من الأحواض الموضوعة بعناية في القاعة، وكانت تحتوي على مجموعة كبيرة ومتنوِّعة من النّباتات. كان منظراً عظيماً يخلُب الألباب بجمال الورود والأزهار التي عُرِضتْ بألوانها الزّاهية، ما عدا حوض واحد كان يحتوي على التُّربة فقط دون وجود أيّ أثَر لأيّة نَبتة!، وكان صاحب الحوض يقف في هدوء وقد بدا خَجلاً من نفْسه!. دعى المدير العامّ ذلك الرّجُل إلى المنصّة وطلب منه أن يُقدِّم تبريراً. أخبَره بالحقيقة، وقال إنّه زرع البذور التي قُدِّمت له في العام الماضي وفعل كلّ ما ينبغي القيام به ولكن لم يحدث أيّ شيء! وما كان من المدير إلّا أنّه أعلنه الفائز على الجميع! فصُعِق الجميع. فقال المدير شارحاً: “أيّها السّادة! إنّ البذور التي قدّمتها لكم في العام الماضي كانت بذوراً تعرّضت للغَلي. الذي حدث أنّكم قُمتم بزرعها ولكن شيئاً لم يحدث! فحاولتم أن تتصرّفوا بذكاء واستخدمتم بذوراً أُخرى. إنّ هذا الرّجُل رَجُل نزيه في عمله، وبالتّالي لم يحاول خداعي أو خداع نفسه!”.

عزيزي القارىء، دعني أقول إنّه من السّهل أن تجد تبريراً لكلّ تصرّف خاطئ في حياتك، إن أردت ذلك. لكن أن تحيا حياة النّزاهة والأمانة في كلّ عمل تعمله من أجل معرفة حقيقية بالله، فهذا هو التّحدّي الحقيقي. لقد كان الرّب يسوع أميناً لكلّ واحد منّا، في موته من أجل خطايانا. وكان الرّسول بولس خادماً أميناً عندما كان في السِّجن. وأيضاً حرّض تيموثاوس أن يتمسّك لا بالتّعليم الصّحيح فقط، بل أيضاً بالولاء والاجتهاد والنّزاهة والاحتمال، قائلاً له في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 3: 2 – 5 .
ترسم لنا الآيات السّابقة صورة للإنسان عندما يُقيم من نفْسه إلهاً على ذاته، فتقوده الخطيّة تلو الأُخرى.

ليس من الصّعب في الكثير من البلاد أن يعيش الإنسان الحياة حسب مقاييس الله. إلاّ أنّه من الممكن أن يُعاني إنسان آخَر بسبب إيمانه في أماكن أُخرى، ممّا يجعل البعض يلجأ إلى الحياة السّطحيّة الإسميّة، الأمر الذي يدعو إلى القلق. فافحص حياتك على ضوء القائمة السّابقة ولا تستسلم لضغوط المجتمع. واجه الأساليب الشّرّيرة، بأن تحيا كما يريد الله من شعبه أن يعيش. أخيراً دعني أقول لك إنّ موضوع النّزاهة في الحياة بصفة عامّة وفي العمل بصفة خاصّة، يعتمد على مواجهة المقاوَمة من المجتمع والمعاناة والمَشقّة في حياتنا العمليّة والرّوحيّة. وكلّما اتّكلنا على المسيح، يَحسبُنا أهلاً لأن نتألّم، ويمنحنا القوّة التي نحتاجها للثّبات. أخي الحبيب كفاكَ قُعوداً على جبل فيه عُلوّ الجسد وارتفاع الذّات والأنا، كفاكَ هُدنةً مع الشّيطان، كفاكَ تشتّتاً للفكر. أعلِنْ الحرب ضدّ ماضيك الممتلئ بعدم النّزاهة، خُذْ خطوة في الحياة تجاه النّقاء، والأمانة التي لا تأتي إلى حياتنا إلاّ عندما نأتي إلى المسيح ونطلب غفراناً، فيمنحنا حياة جديدة وطاهرة وعفيفة. 

إذا كان لديك عزيزي القارىء أيّة مشكلة تحبّ أن تشاركنا بها، وتحبّ أن نصلّي لأجلك .. اتّصل بنا

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!