في البدء كان ... يسوع

لقد استعمل كُتّاب العهد الجديد لقب المخلِّص في الحديث عن يسوع، كما أورده كُتّاب الأناجيل أيضاً في شكل اعترافات أتت على ألسنة أُناس تقابلوا مع المسيح وجهاً لوجه، ولكن يسوع نفسه لم يستعمل هذا اللّقب للدّلالة على نفسه شأنه شأن ألقاب أُخرى، حيث نقرأ في إنجيل يوحنّا 4: 42 .

في هذا المقطع الكتابي يذكر لنا البشير يوحنّا أنّ أهل السّامرة تعرّفوا إلى يسوع المسيح، وأشاروا إليه بأنّه هو المخلّص المنتظر!!. إنّ هذا الأمر يثير العديد من التّساؤلات: كيف عرفوا ذلك؟ من أين لهم تلك المعلومات حول شخص يسوع النّاصري؟ وكيف توصّل السّامريون إلى تحديد هويّته كمخلّص؟ هل بنوا ذلك على أساس ما قالته لهم المرأة التي كشف لها أموراً خاصّة جدّاً في حياتها؟ أَم لأنّه تمكّن من إقناعهم؟ وبالتّالي إعترافهم بأنّه المخلّص أتى ضمن الإطار الذي كان يوجد فيه شوق إلى مجيء المسيح المخلّص الذي وعد به الرّبّ منذ الأزل، إذ أشارت النّبوءات إليه مرّات عديدة في العهد القديم.

إنّ الحديث عن يسوع كمخلّص حديث له أشجان، ولا تكفيه صفحات عدّة لتغطّي الموضوع من جميع جوانبه وتعطيه حقّه بالكامل. فلقب المخلّص ورد في العهد الجديد كإشارة للآب (1 تي 1: 1)، وأيضا ليسوع المسيح الإبن (أع 5: 31، في 3: 20)، كما أعلن الرسل بكلّ فخر أنّ الله في يسوع أرسل  مخلّصا للبشرية (2 بط 3: 18)، الأممي كما اليهودي. ولنفهم هذا اللّقب الذي استخدم في العهد الجديد، سنحاول من خلال هذا العرض الوجيز ترصّد إستعمالاته، ومحاولة إستنتاج الغاية من استخدامه في الحديث عن يسوع المسيح المخلّص.

إنّ اللّفظ اليوناني Swth.r يعني “المخلّص”، “المنقذ”، “الحافظ”. وقد استخدم وصفاً لأبطال من الرجال والحكَّام والآلهة؛ ويجدر الإشارة إلى أنّ اليونانيين استخدموا كلمة “Swth.r” أي مخلّص في وصفهم  للآلهة (مثل زيوس، وأسكلبيوس كما وصف بها سرابيس وإيزيس)، وللفلاسفة (مثل أبيقور)، والملوك والحكام العظام (مثل بطليموس الأوّل). وقد استخدمها الرومان وصفاً لأباطرتهم منذ عهد نيرون.

ولكن أكثر استخداماته في الكتاب المقدّس تعود ليهوه قدّوس اسرائيل، كما استخدم أيضا كلقب للربّ يسوع المسيح (يو 42:4، أف 23:5). ونجد أنّ القاعدة الأساسية في العهد القديم هي أنّ الله هو مخلّص شعبه، فلا يستطيع إنسانا أن يخلّص نفسه، فالله وحده هو المخلّص (مز 3:44 و7؛ 11:60، إش 43: 11؛ 45: 21؛ 60: 16، إر 8:14، هو 4:13)؛ وقد استخدم وصفاً لعمل الله في إنقاذ شعب اسرائيل، كما كان يوصف بهذا اللّقب المسيا الذي سيأتي ليمنح الخلاص لكلّ الأمم (إش 6:49 و8، زك 9:9). وقد أطلق وصف “مخلّص” على الرجال الأبطال الذين استخدمهم الله لإنقاذ شعبه (أنظر قض 3: 2 و 9 و 15، ملا 3: 5، نح 27:9، عو 21)؛ لذلك لا تستخدم الكلمة مطلقاً لوصف إنسان في العهد الجديد، بل يقتصر استخدامها على الله الآب وعلى ابنه يسوع المسيح؛ فيوصف الله بأنّه “مخلّص” لأنّه هو منشئ الخلاص الذي تمّمه إبنه يسوع المسيح بموته على الصليب (لو 47:1، 1تي 1: 1، 2: 3، 4: 10، يه 25).

وتستخدم كلمة “المخلّص” مُعرّفة أساساً في العهد الجديد مُقترنة باسم يسوع المسيح، فمنذ البداية أعلن ملاك الرّب للرعاة أنّه قد ولد لهم “مخلّص هو المسيح الرب” (لوقا 11:2). ومع أنّ كلمة “مخلّص” لا ترد في إنجيل متى، إلاّ أنّه يذكر عن المسيح قائلا “الذي يخلّص شعبه من خطاياهم” (مت 1: 21). كما استخدم اللّقب في العهد الجديد 24 مرّة ولقد ورد في الأماكن التالية: (لو 1: 47؛ 2: 11، يو 4: 42، أع 5: 31؛ 13: 23، أف 5: 23، في 3: 20، 1تي 1: 1، 2: 3 2تي 1: 10؛ 2: 10 و 13، 2بط 1: 1 و 11؛ 2: 20؛ 3: 2؛ 3: 18، 1 يوحنّا 4: 14، يهوذا 25).

كما أنّ العبارات التي يوصف بها “المخلّص” تلقي ضوءاً قوياً على المعنى المقصود، فيوصف يسوع عند حديثه مع السامرية بأنّه “مخلّص العالم” (يو 42:4)، فهو ليس مخلّص شعب بذاته، بل مخلّص كلّ الشعوب. وقد أوضح الربّ يسوع نفسه أنّ رسالته هي رسالة خلاص بقوله: ” فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِيَبْحَثَ عَنِ الْهَالِكِينَ وَيُخَلِّصَهُمْ ” (لو19: 10)، وهو ما يفترض وجود خطر داهم أو كارثة محقّقة تستلزم وجود مخلّص ينقذ من هذا الخطر. والكلمة- سواء في العهد القديم (إش 53) أو العهد الجديد- تفترض الإنقاذ من أعظم الضيقات والمآزق التي عرفتها البشرية، ألا وهي “الخطية”. والربّ يسوع لم يأت ليخلّص النّاس الأقوياء أو الأغنياء أو المثقّفين فقط، بل جاء لجميع الناس بمن فيهم الرعاة والمساكين والمنبوذين. ومن وجهة النظر اللاهوتية، يجب أن يكون “المخلّص”إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً (رو :3،4)، وأن يخلي نفسه (في 2: 6،7) وأن يكون معصوماً من الخطية (2كو5: 21، عبر4: 15).

لقد أشار البشير لوقا في إنجيله في أمكان عديدة، ضمنيّا إلى نبؤات من العهد القديم المذكورة في كلّ من (قض 3: 9، 15، مز 106: 21، إش 19: 20)، حيث نرى فيها ذكر الله الآب مخلّص اسرائيل من محنها وفاديها؛ وفي ذلك تذكير للشّعب بأنّ الله يهوه الذي كان يأتي دائما لنجدة اسرائيل، قد قام اليوم بخلاصهم من خلال الكلمة الذي أصبح بشرا وحلّ بينهم في شخص يسوع المسيح. وننتقل بذلك إلى البشير يوحنّا الذي نجد أنّ استخدامه للقب المخلّص لم يرد كثيرا في إنجيله في حديثه عن يسوع، لأنّ يوحنّا ركّز على كون يسوع هو الكلمة الأزلية الذي به تكوّن العالم (تك 1: 1، يو 1:1).

أما سائر بقية كتاب العهد الجديد، فقد كان إستعمالهم لهذا اللّقب الذي كان له وقعا خاصّا على مسامع اليهود؛ لغاية تفتيح عيونهم وأذهانهم على قول الله ووعوده بإرسال المخلّص من نسل داود، خاصّة وأنّ فترة ما بين العهدين تميّزت بفترة صحوة دينية تكثّف فيها البحث عن المخلّص، وقد نشأ هذا التوجّه بالتحديد في فترة ما بعد السبي. فكلمة مخلّص التي إقترنت قديما بيهوه أطلقها كتّاب العهد الجديد على يسوع النّاصري وهم عالمون بقوّة مفعول هذه الكلمة على سامعيهم وقرائهم من اليهود خاصّة. فلفظ مخلّص swth,r المستخدم هنا هو للدلالة على أنّ يسوع المسيح هو القادم من عند الله ليخلّص هذه المرّة لا اليهود فقط وإنمّا كلّ من يؤمن به من اليهود ومن الأمم، لذلك أورد يوحنّا قصّة المرأة السامرية (يو4) لكي يذهب بببشارة الخلاص ويخرج بها من البوتقة اليهودية الضيّقة إلى كلّ العالم.

يحتوي لقب المخلّص على معنى لاهوتي عميق، لأنّ عملية الخلاص أو الفداء التي تمّت على الصليب أتمّت وعد الله لتحرير الإنسان من عبودية إبليس؛ وإختلف بذلك معنى الخلاص الذي تمّمه يسوع على الصليب، عن معنى المخلّص الذي عرفته الشعوب الأخرى الوثنية والتي كانت ترى في كلّ بطل مخلّص؛ ولكنّ يسوع كان المخلّص الأوّل بجدارة.

بقلم/ رياض جاءبالله

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!