المواعَدَة

كانت دينا ذات الخمسة عشر ربيعاً تجلس إلى جانب صديقتها هالة في ساحة المدرسة، وقالت لها: “أنت محظوظة جدّاً يا هالة”. فسألتها هالة لماذا؟

أجابت دينا: “لأنّ نبيل طلب منك أن تخرجي معه”. قالت هالة: “أعتقد أنّه ظريف، ألا توافقيني على ذلك”.

ردّت دينا: “ظريف فقط!! توجد صفات أخرى كثيرة فيه، لماذا لا تقولين إنّه كامل ؟!!!!”.

وضحكت الفتاتان، وقالت دينا مرّة أخرى: أنت محظوظة جدّاً، واختفت ابتسامتها عندما قالت: لايسمح لي والديّ بالخروج مع شاب في موعد”.

ردّت هالة: “أعلم ذلك، وأعلم كيف يمكن أن يكون الوالدان عنيدَين جدّاً ويصعب التّفاهم معهما”.

قالت دينا: “يقولان إنّه عليّ الانتظار حتّى سنّ السّابعة عشر”.

وردّت هالة: أي بعد سنتين طويلتين جدّاً !!!”.

إنّ مشكلة المواعَدَة (المقابلة)  تسبِّب توتّرات وتغييرات في العلاقة بين الآباء والشباب، كذلك توتّرات بين الشّباب أنفسهم، حيث يصاحبها الكثير من القرارت والأخطار المرافِقة لعمليّة المواعدة، ويصرف الشّباب والفتيات قدراً هائلاً من الوقت والتّفكير والجهد في مواجهة ضغوط المواعدة، ومن المفارقات المحزنة أنّ قليلين جدّاً من الشّباب هم المستعدّون للضّغوط النّفسيّة والقرارت الجديدة التي تترافق مع المواعدة رغم الوقت والجهد المبذول فيها.

أنواع الضّغوط المصاحبة لعملية المواعدة:

1- يواجه الشّباب ضغطاً هائلاً من زملائهم “للخروج” في موعد، إذ تصبح مسألة المواعدة علامة قبول أو دليل على قيمة الشّاب أو الفتاة أو جاذبيّته، فيقوم كثيرون من المراهقين بالمواعدة لمجرّد أنّ أصدقاءهم المُقرَّبين يفعلون ذلك.

2- يبحث المراهقون بصفة عامّة عن الحبّ والدّعم والأمان من خلال موعد، بينما يمكن توفير ذلك بأساليب أكثر أماناً من المواعدة نفسها.

3- يحاول المراهقون تأكيد استقلالهم وإثبات ذاتهم من خلال المواعدة فقط، وقد يفعلون ذلك لأنّ هذا أمر متوقّع، وهم في الغالب يبدأون “لعبة المواعدة” على نحو أعمى دون الاستعداد لذلك.

متى تبدأ المواعدة: 

إنّ مسألة السنّ المناسب لبدء المراهقين بالمواعدة، هي من القضايا التي تسبب صراعاً كبيراً بين الآباء والأبناء. فيعتقد الآباء بوجود عمر معيّن لذلك، بينما يعتقد الشّباب أنّهم مستعدّون لذلك منذ زمن، غير أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ العمر الزّمني نادراً ما يكون عاملاً موثوقاً يدلّ على استعداد المراهق لذلك، والعامل الحاسم هو نضوج الشّاب والفتاة نفسيّاً وعاطفيّاً للتّعامل مع القرارات والتّغييرات الكثيرة والتي لا بدّ أن تصاحب المواعدة، ومن العوامل الهامّة لاستعداد المراهق: “هل يتأثّر بضغط وتقليد الأصحاب؟؟؟”، و”هل ينجذب لأشخاص من العمر نفسه”؟. “هل ينوي المواعدة من أجل الصّداقة بدلاً من قصّة غرام عنيف؟؟”، و”هل هو قادر على مقاومة الرّغبة في الإشباع ؟؟”.

إلى ما هنالك من الأسئلة التى تدلّ على مدى النّضج النّفسي والعاطفي للمراهقين، وسبب ذلك أنّ سنوات المراهقة تشكّل فترة من التّغييرات الجسديّة والعاطفيّة والرّوحيّة الكبيرة والتي تحدث بسرعة كبيرة والتي لا يكون المراهقين مستعدّين لها.

أخطار المواعدة:

إنّ مواجهة الاختيارات الكثيرة واتّخاذ القرارت التي يجب اتّخاذها، وإدراك الأخطار المحيطة بمسألة المواعدة ليس بالأمر السّهل، ولا يستطيع المراهقون الاجتياز فيها لوحدهم بل لا بدّ من وجود شخص بالغ بقربهم لمساعدتهم في إدراك كلّ ذلك.

1-    هناك خطر عزل النّفس عن باقي الأصحاب، فالعلاقة مع أشخاص من الجنس نفسه لها أهمية العلاقة نفسها مع الجنس الآخر، فقد يميل المراهقون بسبب الانشغال في المواعدة إلى إهمال العلاقة مع الأصحاب الذين سيحتاجونهم فيما بعد.

2-    الإهمال في العلاقات الأخرى الهامّة والتي تستمرّ مدى العمر، مثل العلاقة مع الأهل والأخوة والتي قد تتأثّر سلبيّاً باختيارات خاطئة.

3-    المواعدة لأسباب خاطئة كإثارة إعجاب الأصدقاء، أو الانتقام من شخص آخر، أو إحداث الغيرة في قلب شخص آخر، وأنت هنا تقوم باستخدام الشّخص الذي تواعده كأداة بدون الاهتمام به كشخص له قيمته في ذاته، وهذا ما يحوّل المواعدة إلى لعبة قوّة حيث يُستَخدم الحبّ لكسب القوّة، وهو ما يشوّه صورة الحبّ الحقيقي في ذهن المراهقين.

4- الإهمال في التّركيز على الجانب العلمي والتّحصيل الدّراسي، ممّا يؤثّر على المستقبل ككُلّ.

5-    إنّ الفهم والتّطبيق الخاطئَين لتجربة المواعدة يجعل المراهقين يُعرّضون أنفسهم لأسوأ ما يمكن، حيث تخلو معظم علاقات المواعدة من المتعة الحقيقيّة لأنّها مليئة بالحِيَل والخِدَع الحسّيّة، والخروج عن القواعد الأخلاقيّة من أجل تحقيق الفوز بممارسات جنسيّة مع الطّرف الآخر مهما كانت، واللّغة المستخدمة في المواعدة تكشف ذلك.

إنّ المواعدة وسيلة لتُعلِّم المرء عن نفسه، وهي طريقة لكسب مهارة الإحساس بالآخرين وبمشاعرهم في حال تمّت بالشّكل الصّحيح، وتطوّرت بشكل سليم من المواعدة العابرة إلى مواعدات الصّداقة إلى الالتزام بمواعدة لاختيار شريك الحياة، وفي سبيل

ذلك لا بدّ من وجود ضوابط المواعدة:

– البدء في المواعدة عند السّنّ العاطفي والنّفسي المناسب.

–  يجب أن يكون واضحاً أنّ الاستكشاف والتّجريب الجنسيّيَن ليسَا غرَضَين سليمَين من أغراض المواعدة.

– هل يُفترض أن تكون المواعدة مع شخص واحد أَم يُفضَّل مجموعة من الشّباب والفتيات ؟؟.

– هل يُفترض الذّهاب الى أماكن عامّة فقط؟؟ (وهو الأفضل).

– معرفة أنواع الأنشطة المقبولة والمرفوضة في المواعدة، كأن يكون هناك تحديداً واضحاً للتّلامس الجسدي. 
إذاً كلّ ما سبق يتطلّب وجود فهم حقيقي للاحتياجات العاطفيّة والنّفسيّة التي يأمل كلّ طرف من الآخر أن يسدّدها، والشّاب الذي بلغ مرحلة كافية من النّضج تسمح له ببدء المواعدة، يجب أن يكون إلى جانبه شخص بالغ يساعده في وضع هذه الحدود والمقاييس.

أخيراً وليس آخراً، عزيزي الشّاب وعزيزتي الشّابة، حافظوا على أنفسكم وخذوا الوقت الكافي لتنموا وتنضجوا نفسيّاً وعاطفيّاً، وليكن قول سليمان الحكيم  شعاراً لكم: “تمسّك بالأدب ولا تَرْخِه احفظه فإنّه هو حياتك”. ولتكن قيمة نفسك عزيزة في عينيك فلا تهدرها في مزالق الحياة.

مقالات ذات صلة

البنات والمعاكسات في العمل!!

تشكو بعض الفتيات (إن لم نقُل الكثيرات) من أنّ زميلاً في العمل أو مديراً يعاملها بلطف زائد، ويمتدحها بشدّة على أشياء لا تستحقّ كلّ هذا القدر من المديح، حتّى أنّها تشعر بالإحراج أمام هذا السّيل من الكلمات المعسولة والنّظرات التي تحمل أكثر ممّا تحمله الكلمات.

أظافرك قويّة سليمة

الأظافر السّليمة، تُظهر جمال اليدَين، وتعكس صحّة صاحبتهما. وكما تتأثّر الأظافر بعوامل خارجيّة كالماء والصّابون

ما هيَ قيمتى؟

ممّن أو ممّ تأخذ المرأة قيمتَها؟! ... سؤالٌ طُرِح على العديد من النّساء والفتيات، فجاءت الإجابات متبايِنة. البعض منهنّ رأينَ أنّ قيمتهُنّ تؤخَذ من الإنتساب إلى أسرة عريقة ذات أصول تاريخيّة، فيظهر ذلك من خلال التّفاخر بالعائلة في وسط المجتمع، وهنّ يشعُرنَ بأنّ ذلك يعطيهنّ قيمة وكرامة أفضل. ومنهنّ من قلنَ بأنّ الزّواج

كيف أتعرّف على مواهبي وشخصيّتي؟!

الحقيقة هي أنّ بعض النّاس يظنّون أنّهم لا يملكون أيّة إمكانات أو قدرات، فتجدهم يندُبون حظّهم في الحياة، أو يقارنون أنفسهم بالآخرين فيحزنون ويحسدونهم ...... إلخ. لكن السّؤال الذي يطرح نفسه هنا

حجاب أم خداع؟!

أُقيم مؤخَّراً في إحدى العواصم العربية عرضٌ للأزياء، والملفت للنّظر فيه أنّه خُصِّص لأشكال الحجاب وتنوُّع طُرُق ربطه وارتدائه. وربّما تتساءلين معي أيّتها القارئة العزيزة بدهشة، عرض أزياء للمحجّبات، كيف؟ لماذا؟

آذان لا تسمع

ذهبتُ البارحة بصُحبة صديقتيَّ فاتن ولمياء لنتفقّد صديقتنا الرّابعة في المجموعة "ندى"، والتي لم نرَها منذ مدّة طويلة. لقد كانت زيارة دافئة مليئة بعَبَق الصّداقة. بالرّغم من الأمر الغريب الذي حَدَثَ في

الإعلان الجوَّال

هل رأيت مرّةً إعلاناً في الشّوارع، يقف ثمّ يسير ويقفِز ويركض؟

الحَسَد

يعتقد الكثير من النّاس أنّ المشاكل العديدة التي تُحيط بهم وتُفسد عليهم حياتهم وعلاقاتهم ومُستقبلهم، تعود أصلاً لوجود

مُميّزة جدّاً

منذ عدّة سنين لم تَكُن للمرأة المكانة التي لها اليوم. فكانت أدوارُها محصورة بأن تكونَ زوجة مطيعة

هل أساهم مع زوجي في مصروف البيت؟

في أحد مواقع الإنترنت نُشر مقال كبير عن مساهمة الزّوجة مع زوجها في مصروف البيت. كاتبة المقال وقّعتْ تحت اسم "بنت النّيل"، وبدأت مقالها بالافتتاحيّة التّالية: