مُميّزة جدّاً
منذ عدّة سنين لم تَكُن للمرأة المكانة التي لها اليوم. فكانت أدوارُها محصورة بأن تكونَ زوجة مطيعة
خاضعة، وأُمّاً حنوناً ترعى أولادها وحاجاتهم كما تهتمّ بمنزلها (من طهو إلى تنظيف… إلخ). ولم يكن للمرأة حقوقاً في التّعلُّم أو العمل، أمّا الآن فقد تغيّرت الأمور، فهِي الآن تُنافس الرّجُل على مقاعد الدّراسة وفي فُرص العمل، أضحَتْ تقود الطّائرة والباخرة وتقوم بمهامّ كانت حِكراً على الرّجال. ولكن على الرّغم من ذلك، لا تزال هناك شريحة كبيرة من المجتمع تستخّف بدورها كامرأة.
منذ البدء خلق الله آدم، ثمّ خلق حوّاء امرأةً له لتكون مُعيناً نظيره. ولكن مع مرور الزّمن أصبح للمرأة مكانة أقلّ من مكانةالرّجُل وهذا يظهر بنواحٍ كثيرة. فالله منح المرأة هبةً عظيمةً هي: أنْ تحمل وتُنجب الأولاد وتُربّيهم، ولكنْ للأسف أضحَت هذه العطيّة سبب وجودِها. والمقصود هنا أنّ الكثيرات من الفتيات يرضينَ بنظرة الآخرين لهنّ بأنْ يكُنّ ربّات منزل “فقط”، وصارت أحلامهنّ تتمحور حول هذا الهدف فقط. أرجو ألّا يُساء فهمي فأنا لا أقصد القول أنّ كَون المرأة ربّة منزل “فقط” هو أمرٌ يُقلّل من شأنِها، بل ما أقصدُه هو الإشارة إلى نوعيّة الحياة التي أصبح المجتمع يتوقّعها من الفتاة والحدود التي وضعها لما يمكن لها أن تُنجِزه.
إنّه لأمرٌ رائعٌ أن تَسنُد المرأة زوجها في اتّخاذ القرارات، وإنّه لأمرٌ أروع أن تَقدِر أن تُربّي وتُنشِىء أجيالاً صاعدةً بحنانٍ، وأن تزرع فِيهم المبادىء الصّالحة لأنّهم بدَورهم سيَبنون المجتمع في المستقبل. ولكنّي أيضاً أؤمن أنّ لكلّ فتاة قُدُرات منحَها إيّاها الله تتعدّى تلك التي ذُكِرت، وتتعدّى أيضاً توقّعاتها. وهذا يتخطّى العمل أيضاً. من المهمّ أن تقوم الفتاة بما تحبّه، قد يكون عملها هو الأمر الذي تحبّه وتَبرَع فيه، وقد يكون هواية الرّسم أو النّحت أو حتّى الكتابة، ومن الممكن أن يكون الرّكض أو ممارسة أيّ رياضة بدنيّة. المهمّ أن تفكّر الفتاة أو المرأة بشكلٍ عامّ، بما تريده حقّاً وكيف يمكن أن تُضيف لحياة من حولها سحراً جديداً.
إنّ التّاريخ يذكر الكثير من النّساء اللواتي كُنّ يُعتَبرنَ عاديّات، إلّا أنهنّ وباكتشافِهنّ ما وضعه الله فيهنّ من قُدُرات، استطعنَ أن يُنجِزنَ الكثير لأنفسهنّ وللآخَرين المحيطينَ بهنّ، وصنعنَ فَرْقاً. أذكُر على سبيل المِثال ما ستتعجّبين له عزيزتي القارئة، فلِعِلمك أنّ “كلارا بارتن” وهي معلّمة مدرسة، قامت بتقديم الموارد الطّبيّة لمساعدة الجنود وقت الحرب المدنيّة في إحدى الولايات التي كانت تقطنها في الولايات المتّحدة الأميريكيّة، ولاحقاً قامت بتأسيس “الصّليب الأحمر” سنة 1881 في بلدها، والذي لا يزال يقدّم الإسعافات الطّبيّة لآلاف الجرحى والمشرّدين حتّى يومنا هذا!.
وماذا أُخبرك أيضاً عن فنّانات ملأنَ الحياة رِقّةً بواسطة ريشاتهنّ ورسوماتهنّ؛ ومنهنّ “آنّا ماري روبرتسن موزس” التي كانت زوجة فلاح، علّمت نفسَها بنفسِها وشرعتْ بالرّسم في عُمر السّبعين إلى عُمر المئة وواحِد. وقد أصبحت رسوماتها تستَخدم على بطاقات المعايَدة واشتُهرَت بِاسْمِ “الجدّة موزس”.
ويُعوِزُني الوقت إن أردتُ أن أَذكُر الفتيات اللواتي أَلهَمْنَ أجيالاً وأسَّسْنَ مؤسّسات، مثل “روزا باركس” التي شجّعتْ جيلاً بكامله أن يدافع عن حقوقه المَدنيّة، وذلك حين وقَفتْ بعَزمٍ في وجه التّمييزِ العنصري العرقي.
وفتيات أُخرَيات وَقفنَ بوجه التّيّار حين كان الجميع يضعهنّ في قفص توقُّعاتٍ محدودة. لذا أُشجّعك أن تَخرُجي من هذا القفص وتفكّري بطُرُقٍ خلاّقةٍ لتطوير نفسك ولإفادة الآخرين.
الكتاب المقدّس أيضاً يتكلّم عن الكثير مِن النّساء اللواتي أَبدعنَ بأعمالهنّ. فالعهد القديم يذكر أنّ ملكة سبأ (مملكة سبأ في اليمن) التي كانت تتمتّع برباطة الجأش وقوّة النَّفْس وفِطنة العقل، وجدت حكمتها كَلاَ شيء وأتت من أقصى الأرض تطلب حكمة من الملك الحكيم “سليمان” أخبار الأيام الثاني 9: 1 – 12 ، وقد مدحها المسيح نَفْسه على هذا في إنجيل متّى 12: 42 . أمّا المرأة الفاضلة راعوث المؤابيّة (موآب في الأردن) فقد كانت مخلِصةً لحماتها وحوّلت المرارة في حياتها إلى سعادة، ورافقتها في أصعب الظّروف وكانت حقّاً كما يعني اسمها “الصّديقة” (سفر راعوث). وماذا عن المرأة الشّونميّة العظيمة (شونم في شمال فلسطين) التي كانت تتمتّع بكَمٍّ كبير من الصّفات الحميدة سأذكر بعضها، كانت تعطي بسخاء وبسرور، مضيفةً للغرباء ومتواضعة تقيّة تخاف الله وتحبّه وتقبل منه الألم بسلام ملوك الثاني 4: 8 – 37 . وأُخرَياتٍ كنّ يَرعَينَ خراف عائلاتهنّ (راحيل التي صارت زوجة يعقوب)، ومنهنّ من كُنّ قاضيات (دبّورة) ونبيّات (مريم أخت موسى) وأُخرَياتٍ صَنعنَ فَرْقاً بالرّغم مِن دور المرأة المحدود في تلك الأيّام (أستير) الملكة في مملكة فارس القديمة. والعهد الجديد أيضاً لا يُبخِس المرأة حقّها، فهو يذكر أنّ الرّبَّ يسوع المسيح كان له لقاءات عديدة مع نساء كثيرات خَدمْنَه من أموالهنّ وأوقاتهنّ (مريم المجدليّة ويونّا وسوسنّة)، والبعض كُنّ يُظهِرنَ تقديرَهُنّ له عن طريق الطّهوِ والضّيافة (مرثا أخت لَعازر)، وأُخرَياتٍ كُنّ ببساطةٍ يَستمتِعنَ بالإصغاء لتعاليمه (مريم أخت لَعازر)، فقد كُنّ أيضاً من تلاميذه.
واللّافت للذِّكرِ، أنّه عند قِيامته من الموت ظهرَ الرّبّ يسوع أوّلاً لاثنَتين من النّساء اللّواتي كُنّ مِن تلاميذه (مريم المجدليّة ومريم الأُخرى)، وكُنّ قد تَبِعنَه وخَدمنَه قبل موته وهو ائتَمنهُنّ على أَعظم رسالةٍ وهي: أنْ يُخبِرنَ بقيّة تلاميذه بأنّه قد قام.
وهكذا أظهرَ الرّبّ أنّه يُسلِّم للمرأةِ مَأموريّات مهمّة كما للرّجُل، وذلك ليُرينا أنّ لحوّاء مَكانَة مُساوِية لآدم بنَظَرِ الله، لأنّه يُحبّها مِثلَما يحبّ آدم تماماً، كما هو مكتوب في رسالة كورنثوس الأولى 11: 11 . والله أيضاً يعرف مَقدِراتها ويريدها أن تُبدِع.
إذاً يا عزيزتي القارئة، الحياة أمامكِ مُفعَمةٌ بالرّجاء والأبواب المُغلَقة تنتظر أن تُفتَح لكِ. فماذا ستفعلينَ اليوم للبَدءِ بتَحقيقِ نفسك ولتكوني تلك الإنسانة الغَير عاديّة التي تَطمحين أن تكوني عليها؟.
أنتِ مُميَّزَةٌ جدّاً، فاكتَشِفي نفسَكِ!.
موضوعات لها صلة بالمقالة:
مقالات ذات صلة
البنات والمعاكسات في العمل!!
تشكو بعض الفتيات (إن لم نقُل الكثيرات) من أنّ زميلاً في العمل أو مديراً يعاملها بلطف زائد، ويمتدحها بشدّة على أشياء لا تستحقّ كلّ هذا القدر من المديح، حتّى أنّها تشعر بالإحراج أمام هذا السّيل من الكلمات المعسولة والنّظرات التي تحمل أكثر ممّا تحمله الكلمات.
أظافرك قويّة سليمة
الأظافر السّليمة، تُظهر جمال اليدَين، وتعكس صحّة صاحبتهما. وكما تتأثّر الأظافر بعوامل خارجيّة كالماء والصّابون
ما هيَ قيمتى؟
ممّن أو ممّ تأخذ المرأة قيمتَها؟! ... سؤالٌ طُرِح على العديد من النّساء والفتيات، فجاءت الإجابات متبايِنة. البعض منهنّ رأينَ أنّ قيمتهُنّ تؤخَذ من الإنتساب إلى أسرة عريقة ذات أصول تاريخيّة، فيظهر ذلك من خلال التّفاخر بالعائلة في وسط المجتمع، وهنّ يشعُرنَ بأنّ ذلك يعطيهنّ قيمة وكرامة أفضل. ومنهنّ من قلنَ بأنّ الزّواج
كيف أتعرّف على مواهبي وشخصيّتي؟!
الحقيقة هي أنّ بعض النّاس يظنّون أنّهم لا يملكون أيّة إمكانات أو قدرات، فتجدهم يندُبون حظّهم في الحياة، أو يقارنون أنفسهم بالآخرين فيحزنون ويحسدونهم ...... إلخ. لكن السّؤال الذي يطرح نفسه هنا
حجاب أم خداع؟!
أُقيم مؤخَّراً في إحدى العواصم العربية عرضٌ للأزياء، والملفت للنّظر فيه أنّه خُصِّص لأشكال الحجاب وتنوُّع طُرُق ربطه وارتدائه. وربّما تتساءلين معي أيّتها القارئة العزيزة بدهشة، عرض أزياء للمحجّبات، كيف؟ لماذا؟
آذان لا تسمع
ذهبتُ البارحة بصُحبة صديقتيَّ فاتن ولمياء لنتفقّد صديقتنا الرّابعة في المجموعة "ندى"، والتي لم نرَها منذ مدّة طويلة. لقد كانت زيارة دافئة مليئة بعَبَق الصّداقة. بالرّغم من الأمر الغريب الذي حَدَثَ في
الإعلان الجوَّال
هل رأيت مرّةً إعلاناً في الشّوارع، يقف ثمّ يسير ويقفِز ويركض؟
الحَسَد
يعتقد الكثير من النّاس أنّ المشاكل العديدة التي تُحيط بهم وتُفسد عليهم حياتهم وعلاقاتهم ومُستقبلهم، تعود أصلاً لوجود
هل أساهم مع زوجي في مصروف البيت؟
في أحد مواقع الإنترنت نُشر مقال كبير عن مساهمة الزّوجة مع زوجها في مصروف البيت. كاتبة المقال وقّعتْ تحت اسم "بنت النّيل"، وبدأت مقالها بالافتتاحيّة التّالية: