العبادة والاجتماعات المسيحيّة

تقوم العبادة المسيحيّة ومنذ نشأة الكنيسة الأولى على محاور عدّة يهتمّ بها المسيحي، سواء كان على مستوى حياته وعلاقته الشّخصيّة بالرّبّ، أو على مستوى علاقته بجماعة المسيحيّين المؤمنين الذين تجدّدت حياتهم ـ مثله ـ بقبولهم للرّبّ يسوع فادياً ومُخلِّصاً لحياتهم، أو بعلاقته الأشمل والأعمّ مع المجتمع الذي يعيش فيه.

لماذا يوم الأحد:

يُعرّفنا الوحي المقدّس أنّ الكنيسة الأولى اتّخذت منذ نشأتها، يوم الأحد كيوم الرّاحة والقداسة والعبادة المخصَّصة للرّبّ ـ خِلافاً ليوم السّبت الذي قدّسه اليهود لعبادة يهوه – ويرجع ذلك لعوامل عدّة ليست موضوعنا تفصيلاً الآن، لكن نقول بإيجاز، إنّ يوم الأحد كان هو اليوم الذي قام فيه الرّبّ يسوع من الأموات، كما إنّه اليوم الحقيقي لولادة الكنيسة المسيحيّة بحلول الرّوح القدس عليها في يوم الخمسين، ومن ثمّ استمرّت الكنيسة المسيحيّة في كسر الخبز والشّركة وممارسة العبادة والصّلوات في يوم الأحد.

ويمارس المسيحيّون ما يقدّمونه لله من عبادات وأصوام وترانيم وعظات، لا على سبيل الفَرض أو التّعوُّد أو تكرار كلمات بعَينها، وإنّما يُؤمن المسيحيّون بقيادة الرّوح القدس لهم في كلّ ما يعملونه، بحريّة وقداسة وخشوع وتقوى تليق بالرّبّ المعبود وبجوهر علاقتهم الشّخصيّة والقلبيّة معه. فهكذا بدأت الكنيسة الأولى وهكذا استمرّت في ممارستها لأركان العبادة المسيحيّة، فالمسيحيّون يتّحدون في عبادة الرّبّ الواحد بقلب واحد وبنفس واحدة بقيادة روح الله القدّوس السّاكن فيهم والذي يتعبّد بهم وفيهم.

هدف الاجتماع:

الاجتماع المسيحي هدفه الأوّل والأساسي هو التّقرُّب لله والشّبع منه وسماع صوته ورسالته التي يقدّمها لشعبه، ومن ثمّ طاعة وتطبيق كلّ ما يتكلّم الله به، في الحياة الشّخصيّة والعمليّة سواء على مستوي الفرد أو الجماعة. ويحتوي الاجتماع عادةً على مجموعة من الفقرات المتنوّعة، حيث يُحبَّذ أن يبدأ الاجتماع بقراءة مزمور أو بصلاة قصيرة لطلب وجه الرّبّ، وتهدف هذه الفقرة الأولى لإعداد قلوب المتعبّدين وتهيئتهم للدّخول في محضر الرّبّ بشوق وبجوع وعطش، والتّخلِّي عن كلّ ما يكون لديهم من عوائق تؤخّر أو تعطّل استمتاعهم بالرّبّ وتفاعلهم وتجاوبهم معه. ثمّ بعدها مباشرة تبدأ فقرة التّسبيح أو التّرنيم، وهي فقرة يُنشِد فيها المتعبّدون ترانيم وتسابيح وأغاني روحيّة للرّبّ، وللتّرانيم أنواع عديدة نذكر منها، التّسبيحات التّعبديّة التي تتحدّث عن صفات وأمانة ومحبّة الرّبّ، ومنها أيضاً التّرانيم التّشجيعيّة التي تحثّ المؤمنين على التّمسُّك بالرّبّ وبالعِشرة معه مهما كانت التّكلفة، ومنها أيضاً التّرانيم التي تحمل رسالة وتكليفاً بمحبّة الآخرين وتعريفهم بطريق الخلاص بالمسيح، وتحتوي الاجتماعات المسيحيّة أيضاً على الصّلوات، وتكون في صورة صلوات جهاريّة أو سريّة، كما تكون أيضاً فرديّة أو جماعيّة، لكنّها جميعاً وإن اختلفت أحياناً في الشّكل فلا يختلف فيها المضمون، ففي الصّلوات يصلّي شعب الرّبّ لأجل الدّولة والأمن والسّلام، كما يرفعون صلواتهم ويسكبون أمام الرّبّ قلوبهم بالاحتياجات المتعدّدة التي يحتاجون إليها، سواء كانوا جماعة أو أفراد لأجل احتياجات مُحدّدة، واثقين ومختبرين أنّ الربّ يسمع صلاة شعبه، كما لا يخلو الاجتماع المسيحي من فقرة الوعظ أو التّعليم، وهو الوقت الذي يلتفّ الحاضرون فيه أمام معلّم أو واعظ يقودهم بالخضوع لروح الله وتحت سيادته، في تفسير الكلمة المُقدّسة وشرحها واستظهار المبادىء والدّروس المسيحيّة القابلة للتّطبيق من خلالها في سلوكيّاتهم وأمور حياتهم اليوميّة. 

يوجد أيضاً ما يُعرَف “بالعشاء الرّبّاني” الذي نتذَّكر فيه محبّة الرّبّ لنا وموته وقيامته من أجلنا، وهو المُتمثِّل في شُرب الكآس الذي يذكّرنا بدم المسيح المسفوك من أجلنا جميعاً علي الصّليب (ممكن أن يكون عصارة العنب)، وكذلك كَسْر الخبز (رغيف خبز) الذي يشير إلي جسد المسيح المُمات من أجلنا أيضاً.  

هذا هو الشّرح المُبسَّط للاجتماع المسيحي، وكما سبق وقلنا فإن اختلفت الأساليب والأشكال في ممارسة العبادة المسيحيّة فإنّها كلّها لا تخلو من أمر واحد، هو أنّ غرضها الأساسي هو تمجيد الله والارتقاء بالمسيحي ليتمكّن من التّقرُّب لله ومواجهة العالم بكلّ تحدّياته، بكلّ أمانة وثقة وثبات ونُصرة.

عزيزي القارىء، أدعوك أن تنضمّ لكنيسة المسيح وتواظب على الاجتماع الذي يناسبك، فوجودك داخل الكنيسة ككيان وجسد المسيح، واشتراكك في العبادة المسيحيّة على اختلافها وتنوُّعها سيكون ذا فائدة كبيرة لك في معرفة الله والتّعمُّق فيه، والرّبّ يُباركك. إذا كانت لديك أسئلة فاكتبها لي وأنا أرحّب بأن أجيبك عنها. 

مقالات ذات صلة

أقنعة المبادئ

إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.

كيف تكوِّن علاقات ناجحة

تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.

هل أنت نادم على ما فعلت؟!

النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.

مشيئة الله، كيف نختبرها؟!

ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟

كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟

في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.

أنا والمسيح

إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.

التّغيير الحقيقي

التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة

الإساءة والغُفران

إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف

هل أتركه ... أم أنقذه؟!

كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي

لماذا الألم ياربّ؟!

لماذا يسمح الله بالألم للبشر؟ أ ليس هو تعالى المُسَيطر والمُهيمن على كلّ الظّروف والأحوال! ولماذا لم يقضِ الله على الشّيطان مصدر الألم والمُعاناة للبشر؟!