أين الله؟ هل سيجيب ميلاد السيد المسيح عن هذا السؤال؟
أين الله؟
ربما هذا السؤال الذي لا يفارقك حتى في وسط أجواء الاحتفالات بعام جديد. قد تكون موجوعًا لفراق إنسان عزيز على قلبك وتقول: أين الله من وجع الفقد؟ أو ربما تكون متأملًا في الأحداث الجارية حولنا، وترى حروبًا، وصعوبات اقتصادية، وصراعات سياسية، وأزمات نفسية تضرب قلوب البشر. وفي وسط هذا الظلام الدامس، يظل يتردد السؤال في أعماقك: أين الله؟ أين هو من هذه المعاناة التي تبدو بلا نهاية؟
لكن هذا السؤال تحديدًا نجد إجابته في أعظم خبر قد تكون سمعته البشرية، فالله في شخص السيد المسيح ترك سماه وجاء إلى الأرض ليشارك بإرادته في معاناة البشرية. يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين في الإنجيل المقدس: وبما أنه هو نفسه، قد تألم وتعرض للتجارب، فهو قادر أن يعين الذين يتعرضون للتجارب” (الرسالة إلى العبرانيين 2: 18).
حينما نسأل “أين الله؟” علينا أن نتأمل في ميلاد السيد المسيح. الله لم يشاهدنا من أعلى سماه، بل اقترب منا أكثر من أي وقت مضى. فقد تجسد في صورة إنسان وُلد في مزود من امرأة بسيطة، وعاش بيننا، واختبر الألم، والفقر، والرفض. لم يكن ميلاده مجرد لحظة تاريخية، بل إعلانًا مستمرًا بأن الله حاضر في كل لحظة، حتى في أشد الأوقات صعوبة!
عندما ننظر إلى العالم اليوم وما يمر به من أزمات، يمكننا أن نرى أن رسالة الميلاد ما زالت تنبض بالحياة. إنها تقول لنا: لست وحدك في هذا العالم المضطرب. الله حاضر، الله يرى، الله عمل من خلف الستار، الله متداخل في معاناة البشر، الله معنا !
لم يكن العالم وقت تجسد السيد المسيح أفضل من عالمنا الآن، بل يشبهه إلى حد كبير. عاش الناس وقتها تحت وطأة الاحتلال الروماني، يعانون الظلم والاضطهاد. لكن في هذا المشهد المظلم جاء الخبر السار لرعاة مساكين: فقال لهم الملاك: “لا تخافوا! فها أنا أبشركم بفرح عظيم يعم الشعب كله: فقد ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (إنجيل لوقا 2: 10- 11).
ربما في ذلك الزمان تساءل الناس نفس السؤال وقالوا: أين الله ونحن مسحوقين تحت ظلم الاحتلال؟ ربما شعروا أن الله قد تركهم، وقرر ألا يتدخل في المشهد. ولكن في هذا الوقت بالتحديد كان الله يكتب أعظم قصة في التاريخ، كان الله يعمل على إنقاذ البشرية من أكبر مشكلة في حياتهم وهي الخطية وجاء بنفسه ليكون الحل!
في ميلاد السيد المسيح نجد أربعة أخبار سارة قد تطمئن قلبك مع بداية عام جديد، وسط عالم مضطرب:
– الله معنا
في القديم تنبأ النبي أشعياء هذه النبوة: ها العذراء تحبل وتلد ابنا، وتدعو اسمه عمانوئيل (النبي إشعياء 7: 14). هذا الاسم “عمانوئيل” يعني الله معنا. قد تحققت هذه النبوة في شخص السيد المسيح، فقد جاء الله ليكون معنا وقريب منا. جاء لنعرف من هو الله وما صفاته. جاء ليكون قريبًا من كل فرد من خليقته. جاء ليقول إنه يحب ويهتم ويعتني بك! فمهما كان ما تمر به، فالله معك، مهما كانت ظروفك فالله معك، مهما كانت مشاعرك فالله معك، هذه هي الحقيقة الأكثر طمأنينة في الكون! فإذا كنت تتساءل أين الله؟ فالإجابة التي يخبرنا بها ميلاد السيد المسيح، أن الله معنا في كل حين، وهذا أجمل خبر سار قد تسمعه!
– يسوع الذي يخلص شعبه من خطاياهم
اسم يسوع يعني الله يخلص، ويقال عن يسوع في الإنجيل المقدس وقت البشارة بميلاده أنه سيسمى يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. إذا كنت تتساءل عن أكبر سبب للمعاناة والشر في عالمنا، ستجد أن الإجابة هي المعصية التي شوهت كل شيء، وأحدثت عداوة بيننا وبين الله. فمنذ سقوط أبوينا آدم وحواء في المعصية، تغير كل شيء! وفُقدت علاقتنا بالله، وعلى مر التاريخ لم يستطع الإنسان حل هذه الأزمة. ولكن في لحظة ما في الزمن قرر الله في شخص السيد المسيح أن يأتي لأرضنا ليحل هذه الأزمة ويسترد العلاقة معنا، جاء ليخلص كل من يؤمن به من سلطان المعصية. جاء ليحل أكبر أزمة قد تواجهك في الحياة، جاء ليستردك مرة أخرى لنفسه ويغفر ذنوبك، جاء ليحملها كلها على الصليب. فمهما كان ماضيك، ومهما أثقلتك الذنوب، فإن السيد المسيح ينتظرك ليمنحك غفرانًا وسلامًا لا مثيل لهما! فقط ضع ثقتك فيه كالمخلص! فإذا كنت تتساءل أين الله؟ فالإجابة التي يخبرنا بها ميلاد السيد المسيح، أن الله جاء في صورة إنسان ليتحد بنا ويخلصنا من المعصية. وهذه إجابة كافية لتخبرك كم يحبك الله! وهذا أجمل خبر سار قد تسمعه!
– سلام يفوق كل عقل
في زمن ميلاد السيد المسيح، رنمت الملائكة قائلة: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة” (إنجيل لوقا 2: 14) هذا السلام ليس غياب الصراعات، والحروب، والمشاكل، بل هو حضور الله في حياتنا، الذي يمنحنا الطمأنينة رغم عواصف الحياة. سلام ينبع من إدراكنا أن هذا الكون له سيد يحكمه، فالله له سلطان على كل ما يحدث في هذا العالم ونحن لسنا متروكين للظروف تتحكم فينا كما تشاء. فالسيد المسيح جاء لأرضنا ليطمئننا ويُرينا أن هناك نوع مختلف من السلام يمكن أن نشعر به، سلام داخلي غير مرتبط بالظروف، سلام هو فقط من يقدر أن يعطيه. فإذا كنت تشعر بالاضطراب، اسمع السيد المسيح وهو يقول لك: سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا، فلا تضطرب قلوبكم، ولا ترتعب (إنجيل يوحنا 14: 27). فإذا كنت تتساءل أين الله في وسط كل هذه الأحداث؟ فالإجابة التي يخبرنا بها ميلاد السيد المسيح، أن الله حاضر ومتحكم ومتداخل في كل شيء يحدث ومستعد أن يمنحك سلامه. وهذا أجمل خبر سار قد تسمعه!
– الألم ليس النهاية
الميلاد هو أعظم دليل على أن الألم ليس النهاية، بل بداية جديدة يمكن أن تنبثق من عمق المعاناة. فالسيد المسيح اختار أن يبدأ قصة خلاص البشرية في ظروف تبدو بعيدة كل البعد عن المجد أو الراحة. بدأت القصة في مذود بسيط، وجاء من عائلة متواضعة، وفي وسط مجتمع يعاني من الظلم والفقر، وكانت حياته دائمًا محفوفة بالمخاطر، بداية من محاولة قتله وهو رضيع عندما أمر الملك هيرودس بقتل كل الأطفال الذكور في منطقة بيت لحم التي ولد فيها السيد المسيح، ثم هروب يوسف ومريم به إلى مصر، ومحاولات قتله على مدار حياته، هذا غير تعرضه للرفض والفقر والوحدة والعذاب، حتى الصليب والموت لأجل كل واحدٍ منا. ولكن الميلاد يكشف لنا أن تلك اللحظات المؤلمة ليست سوى محطات ليتمم خلاصنا من المعصية. لم تكن هذه هي النهاية. لم يكن للألم الكلمة الأخيرة! فقيامة السيد المسيح هي الدليل الأسمى على أن الألم ليس النهاية. القيامة تخبرنا أن هناك رجاء، وأن البؤس الذي نراه في هذا العالم ليس النهاية، فهناك وعد إذا آمنت بالسيد المسيح مخلصًا لك، أن تحيا في حضرته للأبد! وسيمسح كل دمعة من عيونهم. إذ يزول الموت والحزن والصراخ والألم، لأن الأمور القديمة كلها قد زالت (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 21: 4). هذا وعده لك، وهذا أجمل خبر سار قد تسمعه!
قد لا نصل إلى إجابات لكل ألم نعيشه، ولكن لدينا وعد أن الله معنا في كل ما نجتاز فيه، وهذا ما تخبرنا به قصة ميلاد السيد المسيح. فميلاده يذكرنا بأن الله قادر على تحويل أصعب اللحظات إلى أعظم الانتصارات. ومع كل صعوبة تواجهنا في الأحداث الجارية، يظل الميلاد تذكيرًا بأن الله لم يتركنا. فهو جاء ليعيش بيننا ويمنحنا حياة جديدة مليئة بالرجاء. فلنستقبل هذا العام الجديد بروح الميلاد، حاملين الأمل في قلوبنا، ولنتذكر دائمًا أن الله حاضر معنا دائمًا، وفي كل لحظة، يحملنا بين يديه، ويقودنا، ويمنحنا الرجاء الذي لا يخيب!
إذا أردت أن تعرف أكثر عن السيد المسيح تواصل معنا (من هنا)
مقالات ذات صلة
أقنعة المبادئ
إزرع فكراً تحصدعملاً .. إزرع عملاً تحصد عادة ... إزرع عادة تحصد خُلُقاً ... إزرع خُلُقاً تحصد مصيراً. حين يشوَّش الفكر نفقد الإبداع في العمل ونعيش عادات الخوف والشّكّ، فلا نقوى على الحكم على الأمور وتصبح رؤيتنا ضبابيّة ويصعب علينا التّمييز بين الخير والشّرّ، ثمّ نضلّ الطّريق ولا نجد المرشد ولا الدّليل، ونفقد أيضاً شجاعة الاختيار بين ما هو حقّ وعدل وشريف، وبين ماهو باطل وظالم وفاسد، لأنّه قد اختلفت وتبدَّلَت الموازين.
كيف تكوِّن علاقات ناجحة
تأليف: د/ سعد زغلول تُعتَبر المهارة في معاملة النّاس ركناً من الأركان الهامّة التي تساعد الإنسان على نجاحه في حياته. فالإنسان لا يولد وله قدرة على التّعامل مع النّاس الآخَرين. فهي مهارة يكتسبها كلّ فرد من خلال معاملاته وخبراته. بل إن فنّ التّعامل مع الآخَرين يأتي مع الدّراسة النّظريّة والتّدريب، ليكون فعّالاً ومؤثِّراً. ساعد نفسك على النّضج: نحن متنوِّعون، ولكن هناك قدرات عامّة، يحتاج كلّ واحد أن ينمّيها في نفسه لكي يصبح قادراً فيما بعد أن يأخذ مكانه ودوره. وإليك بعض القدرات الهامّة التي يحتاج الإنسان أن ينمّيها في ذاته ليكون ناجحاً.
هل أنت نادم على ما فعلت؟!
النَّدَم والأسف والتّوبة هي من التّعابير غير المحبَّبة لكثيرٍ من النّاس على مرّ العصور. هل تجد نفسك تعاني من ثورة داخليّة تشعر فيها بالضّيق والألم والأسف والنّدم؟. أحياناً يشعر الإنسان منّا بكلّ هذه المشاعر مختلطة معاً، فيشعر بجفاف حياته وكأنّها أصبحت بلا معنى، وكأنّه يعيش في "صحراءٍ" معنويةٍ قاسية.
مشيئة الله، كيف نختبرها؟!
ونحن على أعتابِ عامٍ جديدٍ نصلّي بكلّ قلوبنا إلى الرّبّ ليقودنا أكثر في العام الجديد لنكون بحسب مشيئته. نضع أمام القارئ العزيز هذه الأفكار عن مشيئة الله، وكيف نختبرها؟
كيف تكتب السِّيرة الذّاتيّة؟
في سوق العمل المزدحم بالمتقدّمين لطلب عمل، يحتاج كلّ شابّ وكلّ شابّة بعد الانتهاء من فترة الدّراسة، أن يبحث عن عمل مناسب يحقّق له طموحاته وأحلامه. وحتّى من يعمل ويرغب في تغيير مجال عمله يحتاج أيضاً أن يتعلّم كيف يختار الطّريق الصّحيح في البحث عن عمل. في البداية نوضِّح أهميّة وجود سيرة ذاتيّة عند التّقدُّم بطلب عمل.
أنا والمسيح
إنّ الكتاب المقدّس هو كتاب فريد بحقّ. ولكن لماذا يجب علينا قراءته؟ والإجابة على السّؤال نجدها في قصّة شخص قرأ الكتاب لأوّل مرّة عندما كان في عمر المراهقة.
التّغيير الحقيقي
التّغيير الحقيقي في حياتنا ليس مجرّد حُلم نتمنّاه، بل معجزة إلهيّة تتحقّق في داخلنا بقوّة روح الله!. كان أباه حطّاباً فقيراً لا يملك قوتَ يومه، فلمّا توفّي، وجدَ الصّغير نفسه يعيش مع أمّه حياة
الإساءة والغُفران
إنّ حدوث إساءة أو أذيّة متكرّرة ولا سيّما من أشخاص لهم مكانة خاصّة عندنا، تسبّب لنا جروح داخليّة عميقة إذا لم نعرف أن نتعامل معها بطريقة صحيحة وتركناها في الدّاخل. هذه الجروح ستولِّد لدينا مشاعر مرارة، التي تؤدّي إلى نتائج صعبة وخطيرة، وقد تقود إلى تدمير حياة الإنسان تماماً. إنّ ظهور المرارة في داخل الإنسان وتركِها سوف
هل أتركه ... أم أنقذه؟!
كان "شاؤول" يخدم في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزّة، وكانت مهمّته قتل كلّ الذين يقفون أمام تحقيق الحلم الإسرائيلي في إقامة دولة إسرائيل العُظمى. في أحد الأيّام استيقظ باكراً جدّاً مع زملائه من الجنود ليمارس عمله كجندي، كان القصف المدفعي