أمراض تُصيب القادة !!

لاشكّ في أنّ المشكلة الكبرى التي أصابت مجتمعنا على المستويَين العامّ والخاصّ، هي الرّكون والضّعف والسّلبيّة، فأصبحنا مجُتمعات تُعاني من المرض.

تماماً كما يحدث مع شخص لا يلتزم بالقواعد الصّحيّة السّليمة فيُصاب بالأمراض التي تزداد يوماً بعد يوم، ويُصبح في أمسّ احتياج إلى و قفة جريئة وحاسمة بالخضوع للطّبيب الذي قد يلجأ للتّدخُّل الجراحي لكي يُنقذه. حينما فكّرت في هذا الأمر توصّلت إلى أنّنا كقادة نحتاج أن يكون لدينا قدر كبير من الشّجاعة لكي نعترف بأخطائنا، فهذا هو المفتاح الأساسي للتّغيير. فأنا لن أتغيّر للأفضل ما لم أعترف بحالتي وبما وصلتُ إليه من ضعف، وبهذا أُدرك أنّي في أمسّ الحاجة للتّغيير للأفضل.

لقد ارتبط مفهوم القيادة في أذهاننا بالزّعامة، فعندما أكون زعيم مجموعة ما فهذا يعني أنّه لا ينبغي أن يعترض رأيي أحد، ولا ينبغي أن أُطيع أو أخضع لصوت أحد، فأنا أفضل الكلّ وأعرف أفضل من الكلّ ولديَّ رصيد طويل من الخبرة ممّا يسمح أن تخضع المجموعة لرأيي وقراري. لكن مفهوم الكتاب المقدّس للقيادة ليس فقط يختلف عن هذا النّمط في القيادة فحسب ولكنّه عكس ذلك تماماً، فالقائد في المفهوم الكتابي ينبغي أن يكون مُتَّضِع ووديع ويتّسم بالهدوء خاصّة عند أخذ القرارات، وينبغي أن يُشارك الآخرين في الرّأي ويحترم كلّ الآراء، كما ينبغي أن يكون مُتاح وموجود لا أن يهرب من المسؤوليّة، وأن يقبل كونه جزء من المنظومة وليس كلّ المنظومة. وكما تحدّثنا سابقاً عن بعض الأمراض التي تفشّت في مجتمعنا فإنّها للأسف قد انتقلت إلى داخل المؤسّسات الدّينيّة ومنها:

أولاً: القائد ومرض الازدواجيّة:

مرض الازدواجية من الممكن أن يُصاب به كلّ إنسان، وهذا المرض من أخطر الأمراض التي تُصيب القائد، وأعني هنا هؤلاء القادة الذين لديهم قدرة عالية على التّنكُّر، فالقائد هنا يستطيع أن يكون شخصيّة مختلفة بحسب الموقف، فهو حين يكون في البيت يكون بشخصيّة، وعندما يكون في العمل تظهر شخصيّة أُخرى، وعندما يكون مع الأصدقاء يكون بشخصيّة ثالثة وهكذا، وتستطيع ببساطة أن تكتشف أنّ هناك فجوة كبيرة بين ما يقوله وبين ما يعيشه. لكن نستطيع أن نرى عكس ذلك في حياة الرّسول بولس الذي تجرّأ على القَول ثلاث مرّات “كونوا متمثّلين بي”، وأيضاً قال في {رسالة فيلبّي 4: 9|9وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ.}، لقد استطاع بولس أن يكون في حياته بلا لَوم أمام النّاس وأمام الله. أمّا السّيّد المسيح فقد وبّخ الكَتَبة والفريسيّين لأنّهم كانوا يعانون من الازدواجيّة فقال عنهم في {إنجيل متّى 23: 1 – 3|1حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلاَمِيذَهُ 2قَائِلاً:«عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، 3فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ.}.لقد التفّ النّاس حول المسيح لأنّهم رأوا في حياته ما لم يرونه في حياة الكَتَبة والفريسيّين، رأوا فيه شيئاً مختلفاً، إذ لم يكن يُعاني من مرض الازدواجيّة، كان يعيش ما يقول، فهل نحن كذلك!؟.

ثانياً: القائد ومرض الغرور والكبرياء: 

وهذا أيضاً مرض منتشر بوفرة، وللأسف فإنّنا نفهم الأمر بصورة معكوسة، فالمفروض أنّ المسؤولية تقودني للتّواضع وليس العكس، فكلّ مرّة أتعلّم فيها شيئاً جديداً أو أقبل فيها منصباً جديداً، يجب أن يقودني هذا للتّواضع والوداعة وليس الغرور والتّعالي. قال السّيّد المسيح في {إنجيل متّى 23: 12|12فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ.}. لقد قَلَب المسيح الموازين في مفهوم العَظَمة والسّيادة حيث بيّن أنّ المفهوم الحقيقي للعَظَمة هو حينما تقدِّمون بعضكم بعضاً في الكرامة، لقد قال أيضاً من أراد أن يكون فيكم أوّلاً فليكن آخِراً. نحن كثيراً ما نريد فقط إصدار الأوامر، ولا يوجد لدينا أيّ تعاطف أو إحساس بمَن له دور أقلّ منّا، فنحن نركّز فقط على النّتائج دون الاهتمام بفريق العمل. كما أنّ الكثير منّا يطلب من النّاس الالتزام وهو أبعد ما يكون عن الالتزام، فيحضر في الوقت الذي يحدّده هو وينصرف في الوقت الذي يحدّده هو وليس من حقّ أحد أن يُحاسبه أو يوجّه إليه إدانة بأيّ تقصير، وينسى أنّه عندما ينادي بالالتزام ينبغي أن يكون هو أول المُلتزمين. لا بدّ أن نتذكّر جميعاً أنّ الله يُقاوِم المُستكبرين أمّا المتواضعين فيُعطيهم نعمة، تقول كلمة الله في {سِفر الأمثال 16: 18|18قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ.}.

ثالثا ً: القائد ومرض السّلبيّة والنّمطيّة:

إنّ مرض السّلبيّة والنّمطيّة الذي يُصيب بعض القادة يجعلهم يحرصون أن يظلّ من يقودونهم جامدين كما هم، حيث لا يوجد لديهم مكان للتّغيير والتّطوير، ويستسلمون للفكر التّقليدي الذي يعمل بكلّ جهده على أن يبقى كلّ شيء على ما هو عليه، وبذلك ينسوا أنّ هذا يشكّل فشلاً كبيراً، وينسوا أيضاً أنّ اللهكلّفهم بهذه المسؤوليّة للتّغيير والتّطوير، فنحن لسنا موجودين لنملأ أماكن شاغرة ولكن لكي نُضيف إليها  ونُجدّد ونُغيّر للأفضل. لقد جاء المسيح بتعليم جديد يختلف عن تعليم الكَتَبة والفريسيّين الذي اتّسم بالنّمطيّة والسّلبيّة، فقد استطاع أن يُجدِّد في الوصيّة ويُعطي لها بُعداً أعمق من المفهوم الضّيّق الذي وضعها فيه الكَتَبة والفريسيّين. كما رجع يسوع إلى الماضي واستمدّ منه الخُلاصة والعِبرة وصاغها بشكل جديد عميق يتناسب مع احتياج العصر، عكس الكَتَبة والفريسيّين الذين سكنوا الماضي ورفضوا التّجديد وطبّقوا الوصيّة تطبيقاً حرفيّاً، فتباهوا بحفظ النّاموس وآمنوا بأنّهم يحصلون على التّبرير من خلال النّاموس، فجاء المسيح ليُعلن النّعمة والقبول الغير مشروط. قال المسيح في {إنجيل متّى 5: 27 – 28|27«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. 28وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.}، بهذا يكون قد أعطى الوصيّة مفهوماً أعمق وجدّد فيها.

عزيزي القارئ: أدعوك لتتمثّل بالرّبّ يسوع في جرأته وقدرته على التّغيير والخروج من النّمطيّة، ورفْض التّحجُّر والسّطحيّة ومقاومة الاستغراق في الماضي، التي لا شكّ أنّها أمراض تُصيبنا جميعاً، وقد أراد الله أن يكشفنا اليوم أمام أنفسنا، لكن إن أردنا الشّفاء فعلاً فعلينا أن نخضع ليَدِ طبيب الأطبّاء ليكشف عن مَوطِن الدّاء، ولنثق في حكمته ونقبل من يَدِه الدّواء وعندها فقط سوف ننال الشّفاء.

مقالات ذات صلة

لا تخف من فقدان العمل

الشّعور بالخوف من فقدان العمل ينتابنا من وقت لآخر، وتزداد نسبته لمن يعملون في أماكن تخضع لنظام السّوق أي العرض والطّلب، نظراً لأنّه يخضع لحريّة صاحب العمل المطلقة تقريباً، في كلّ قراراته مع موظّفيه. لكن في كلّ الحالات أسباب فقدان العمل عادةً ما تكون:

مشاعر المراهَقة

تعرّف على مشاعرك في فترة المراهَقة وحاول أن تتفهّمها.

هل أنت قوي أم ضعيف؟

إذا كنت من الصّنف القوي من النّاس، فأنت تُصرّ على تحقيق أهدافك في الحياة. أمّا إذا كنت ضعيفاً، فأنت متخاذل خائف من حاضرك ومن مستقبلك، أنت مرعوب ومتشائم. إذا كنت قويّاً فهنيئاً لك! إحرص دائماً على أن تنجح بالمثابرة والإرادة القويّة والعمل الجادّ، سواءً في دراستك أو في حياتك العمليّة، معتمداً على الله الذي وعدنا بروح القوّة والنّصرة وليس بروح الفشل والتّخاذل. مبروك مُقدَّماً على تحقيق أهدافك ونجاحك.

رضاعة حتّى الموت!

أتخيّل أنّ "بول سايمون" (مُغنّي أمريكي) يعيش بيننا ويصف حالنا حينما قال: "في ظلمات اللّيل العارية ... شاهدت عشرة آلاف شخص ... أشخاصاً ينطقون ولا يتكلّمون ... أشخاصاً يسمعون ولا ينصتون ... أشخاصاً يكتبون أغنيات لن تُنشد أبداً".

الجنس وممارسته قبل الزّواج

إلحَقني تورَّطت ...! هذه صرخة جاءني بها شابٌّ قريبٌ لي وهو يبكي مُنتحِباً بسبب ممارسته الجنس.

طهارة القلب

يُخطيء من يظنّ أنّ الطّهارة أمر خارجي، إنّها في الواقع أمر داخلي.

الهجرة إلى الوطن الجديد!

روى راندل جرير (شاب أمريكي) قصّة حياته لمجلة (رجال الأعمال) فقال: "اجتمعت مع زملائي السّجناء داخل السّجن و قلت لهم: "لقد تعلّمت ألّا أثق بأحد، ولكن الآن أنا بحاجة إلى من يساعدني، هل تساعدوني في الهروب من السّجن؟". قال أحدهم محتجّاً: "أيّها الرّجل لا تقدر أن تخرج من هنا حيّاً".

هل من أمل في وظيفة بعد أن أتخرّج؟!

نستعرض واحداً من أهمّ الموضوعات التي يعاني منها أولادنا وإخوتنا ـ شباباً كانوا أم شابّات ـ في مشرقنا العربي، وقد لا أكون مُبالِغاً إن قُلت إنّه يُسبّب ضغوطاتٍ وصراعاتٍ كثيرةٍ ومشاكلَ متنوّعةٍ لهم، وبالتّالي لذويهم الذين يعانون معهم لأجل تعبهم ومُعاناتهم، إنّه موضوع لا يتعرّض للحاضر فقط بل هو يرتبط بالمستقبل أيضاً، ألا وهو "ماذا سيعمل الفرد بعد أن يُتمّ تعليمه ويحصل على شهادته؟".

!الكمبيوتر – مصدر عائد مادّي أم مضَيعة للوقت؟

يستخدم البعض الكمبيوتر (الحاسوب) في ما يفيدهم بتطويع الأفكار الخلاّقة إلى مشروعات هادفة مُربِحة، بينما يقف آخرون عاجزين عن الاستفادة من الإنترنت وجهاز الحاسب الآلي إمّا لعدم معرفتهم بطريقة العمل أو بدخولهم إلى مواقع لا تفيد وقضاء الوقت في المحادثات والمواقع التّرفيهيّة.

النّجاح

كلمةٌ تُعدُّ إحدى أجمل وأحبُّ الكلمات لقلب الإنسان.