رأي الدِّين في عمليّات التّجميل
تشهد عمليّات التّجميل رَواجاً واسعاً في العالم أجمع بما فيه العالم العربي. والآراء منقسمة حول هذه العمليّات التي لا تكون عادةً للضّرورة الطّبيّة، وإنّما للمزيد من الحُسن والجمال وتغيير الشّكل، بما يتناسب مع معايير الجمال النّسبيّة والمُتغيّرة حسب اتّجاهات الموضة، والتي تختلف طبعاً من مجتمع لآخر. فهناك من يؤيّد هذه العمليّات وآخرون لايفعلون ذلك.
إنّ عمليّات التّجميل بحدِّ ذاتها (جراحات التّجميل) تُقسم من النّاحية العلميّة إلى:
1- جراحات تكميليّة إصلاحيّة (تعويضيّة): وهي القيام بعلاج التّشوُّهات والعيوب الخَلقيّة أو المُكتَسبة النّاتجة عن آثار الحوادث المختلفة، من كُسور وإزالة آثار النّدبات التي منها جراحات آثار الحروق والوَحمات ومختلف التّشوُّهات، أي جراحات إعادة بناء النّسيج أو العضو والتي يتضرّر منها الإنسان ضرراً معنويّاً ونفسيّاً.
2- جراحات مجهريّة: نقل الأنسجة والعضلات (زرع كبد، جراحات أوعية دمويّة دقيقة … إلخ). وعدم إجراءاها يسبّب خطورة حقيقيّة وكبيرة على الحياة.
3- جراحات التّجميل والتي يُطلق عليها عمليّات التّجميل: والمقصود بها إعادة التّشكيل مثلاً: الأنف والأُذن، توسيع مجرى العَين أو تضييقه، شدّ الوجه وزرع الشّعر، السّمنة المفرطة وترهُّل الجلد. والتي لها ضرورة طبيّة محدودة.
4- عمليّات التّجميل التي تنحصر في حُبّ تغيير الشّكل والانسجام مع نموذج وسائل الإعلام، وهي أصلاً خاضعة إلى تيّار من الدّعاية والإعلان والتّرويج الذي أصبح يملأ الفضائيّات وشبكات الإنترنت، وما يصاحبه من خَلق للنّماذج حسب مقاييس الجمال المختلفة والمتغيّرة باستمرار، والتي يقوم بها بعض الأشخاص لأجل تحسين وضعهم النّفسي أو راحتهم تجاه مظهرهم العام، فهي في الجوهر غير أساسيّة ولا ترتبط بإصلاح العُيوب والتّشوهُّات أو معالجة مشكلات في الجسم. وهنا يظهر واضحاً أنّ التّركيز في مفهوم الجمال أصبح محصوراً في الشّكل والمظهر وحدهما، واختزل شخصيّة الإنسان وحَصَرها في شكله ومظهره الخارجيَّين فقط. وهذا يقودنا إلى سؤال هام يفرض نفسه علينا: هل أنا أقبل ذاتي وشكلي ومظهري كما أنا، أمْ أرفضهم وأريد تشكيلهم كما يحلو لي؟؟؟؟
بمعنى آخر هل أعتبر نفسي بشع/ة أو قبيح/ة وغير مقبول/ة من خلال الحُكم على مظهري فقط ؟؟
إنّ التّصوّر عن الذّات (الصّورة الذّاتيّة) الذي يرسمه الإنسان لنفسه عن نفسه، هو ما يحدّد سلوكه بشكل كبير في حياته، كأنْ يتصوّر نفسه محبوباً وناجحاً وجميلاً. أي أنّ أيّ تصوُّر سواء كان إيجابيّاً أمْ سلبيّاً (مع العلم أنّ هذ التّصوُّر لايعتمد بالضّرورة على حقائق منطقيّة) يقتنع الإنسان به، سيصبح دافعاً له للسّلوك به ومُحدِّداً للاتّجاهات الفكريّة له ومُؤثِّراً في تعامله مع الآخرين.
مع العلم أنّ الدّراسات والإحصائيّات والأطبّاء أكّدوا أنّ العمليّات التّجميليّة وحدها لا تُحسِّن المزاج العام، أو المزاج النّفسي للشّخص الذي يعاني من اضطرابات مزاجيّة أو نفسيّة (عدم توازن)، بل لا بدّ من تقديم العَون والإرشاد الاجتماعي والنّفسي لإعادة بناء شخصيّته وتصحيح صورته عن نفسه.
إنّ الجمال هو مفهوم أكبر وأوسع وأعمق من المظهر الجسدي العام، فهو جمال إنساني وجمال عاطفي وجمال الأداء وجمال الإنجاز، جمال الفكر والتّصرّف وجمال الشّخصيّة الدّاخليّة العميقة، أي جمال القلب والرّوح، كما يعلّمنا الكتاب المقدّس في رسالة بطرس الرسول الأولى 3: 3 – 4 . أيضاً في سِفر الأمثال 15: 13 . كذلك عن جمال الفكر والتّصرُّف، أيضاً في سَفر الأمثال 13: 3 ، وأمثال 15: 21 .
فالجمال والأخلاق مترابطان لا محالة، قد تختلف آراء النّاس حول المظهر وتتغير مقاييسه، ولكنّهم لايختلفون حول الأخلاق الفاضلة والحميدة والتي تترك بصماتها في التّعامل مع النّاس. ولا تنسى عزيزي القارىء أنّ يَدَ الزّمن أمهر من كلّ الجرّاحين، وأصابع الشّيخوخة ستعبث بملامحنا يوماً ما، لكنّها لن تطال قلباً نقيّاً وأخلاقاً فاضلة. وكما قال سليمان الحكيم قديماً، في سِفر الأمثال 31: 10 – 13 .
موضوعات مشابهة:
مقالات ذات صلة
البنات والمعاكسات في العمل!!
تشكو بعض الفتيات (إن لم نقُل الكثيرات) من أنّ زميلاً في العمل أو مديراً يعاملها بلطف زائد، ويمتدحها بشدّة على أشياء لا تستحقّ كلّ هذا القدر من المديح، حتّى أنّها تشعر بالإحراج أمام هذا السّيل من الكلمات المعسولة والنّظرات التي تحمل أكثر ممّا تحمله الكلمات.
أظافرك قويّة سليمة
الأظافر السّليمة، تُظهر جمال اليدَين، وتعكس صحّة صاحبتهما. وكما تتأثّر الأظافر بعوامل خارجيّة كالماء والصّابون
ما هيَ قيمتى؟
ممّن أو ممّ تأخذ المرأة قيمتَها؟! ... سؤالٌ طُرِح على العديد من النّساء والفتيات، فجاءت الإجابات متبايِنة. البعض منهنّ رأينَ أنّ قيمتهُنّ تؤخَذ من الإنتساب إلى أسرة عريقة ذات أصول تاريخيّة، فيظهر ذلك من خلال التّفاخر بالعائلة في وسط المجتمع، وهنّ يشعُرنَ بأنّ ذلك يعطيهنّ قيمة وكرامة أفضل. ومنهنّ من قلنَ بأنّ الزّواج
كيف أتعرّف على مواهبي وشخصيّتي؟!
الحقيقة هي أنّ بعض النّاس يظنّون أنّهم لا يملكون أيّة إمكانات أو قدرات، فتجدهم يندُبون حظّهم في الحياة، أو يقارنون أنفسهم بالآخرين فيحزنون ويحسدونهم ...... إلخ. لكن السّؤال الذي يطرح نفسه هنا
حجاب أم خداع؟!
أُقيم مؤخَّراً في إحدى العواصم العربية عرضٌ للأزياء، والملفت للنّظر فيه أنّه خُصِّص لأشكال الحجاب وتنوُّع طُرُق ربطه وارتدائه. وربّما تتساءلين معي أيّتها القارئة العزيزة بدهشة، عرض أزياء للمحجّبات، كيف؟ لماذا؟
آذان لا تسمع
ذهبتُ البارحة بصُحبة صديقتيَّ فاتن ولمياء لنتفقّد صديقتنا الرّابعة في المجموعة "ندى"، والتي لم نرَها منذ مدّة طويلة. لقد كانت زيارة دافئة مليئة بعَبَق الصّداقة. بالرّغم من الأمر الغريب الذي حَدَثَ في
الإعلان الجوَّال
هل رأيت مرّةً إعلاناً في الشّوارع، يقف ثمّ يسير ويقفِز ويركض؟
الحَسَد
يعتقد الكثير من النّاس أنّ المشاكل العديدة التي تُحيط بهم وتُفسد عليهم حياتهم وعلاقاتهم ومُستقبلهم، تعود أصلاً لوجود
مُميّزة جدّاً
منذ عدّة سنين لم تَكُن للمرأة المكانة التي لها اليوم. فكانت أدوارُها محصورة بأن تكونَ زوجة مطيعة